عادات وأجواء رمضانية خاصة بتتار القرم   
الاثنين 1434/9/22 هـ - الموافق 29/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:53 (مكة المكرمة)، 12:53 (غرينتش)
درس رمضاني بمسجد المركز الثقافي الإسلامي بالقرم (الجزيرة نت)

محمد صفوان جولاق-كييف

لتتارِ إقليم شبه جزيرة القرم جنوب أوكرانيا مع شهر رمضان المبارك حكايات وحكايات، يقسمونها على ثلاث فترات، قبل الاتحاد السوفياتي وخلاله وبعده، فهي حكايات ارتبطت وتأثرت كثيرا بسياسات الاتحاد التي حاربت الأديان ومنعتها.

وأصل هذه الحكايات مستوحى من عادات وأجواء رمضانية تشبه نظيرات لها في دول مسلمة مجاورة أو حتى عربية، إلا أن بعضها يقتصر على تتار القرم وتشتهر بينهم فقط.

عمل وتعبد
للجزيرة نت تحدث خليل دندانوف (84 عاما) عن بعض هذه العادات التي رسخت في كيانه بعد أن سمعها عن أبويه وأجداده، ولم تفلح سنوات الحقبة شيوعية في انتزاعها.

يقول خليل إن رجلا كان يجول في الطرقات ضاربا على طبل لإيقاظ الناس وتناول السحور قبل موعد الفجر، وكانت ولا تزال وجبة السحور الرئيسية هي "تشيبوريكي" (فطائر باللحم أو الجبن)، لأن الزراعة كانت ولا تزال مهنة التتار الأولى، وبهذه الفطائر يستعين التتار على العمل الشاق في الحقول بعد الفجر.

ويضيف أن الأجداد والآباء كانوا يذهبون يوميا إلى المساجد والمدارس (الكتاتيب) لقراءة القرآن وحضور الدروس وحلقات الذكر قبل موعد الإفطار، وهذا الذهاب كان من الواجبات اليومية التي لم يتخلف عنها أحد بلا عذر.

الدعاء الجماعي عادة ورثها التتار، يسألون الله القبول، ويترحمون على ضحايا التهجير (الجزيرة نت)

إفطارات تستحضر المأساة
جلسنا لتناول طعام الإفطار مع أسر تترية، والتتار يحرصون على التناوب في إقامة إفطارات تتعدى الأسرة الواحدة إلى الأقارب والجيران.

هممنا بالأكل بعد صيام يوم طويل يقارب 19 ساعة، ليوقفنا دعاء كبير العائلة قبل البدء، فالدعاء الجماعي عادة ورثها التتار، وله روحانية خاصة قبل الإفطار في رمضان، فيه يسألون الله القبول، ويترحمون على ضحايا مأساة التهجير القسري التي تعرضوا لها عام 1944، ويسألون الرحمة لمن حرم صوم رمضان من قبل النظام السوفياتي.

وهنا يشير مفتي الإدارة الدينية لمسلمي أوكرانيا "أمة"، الشيخ سعيد إسماعيلوف، إلى أن النظام السوفياتي حرم المسلمين وغيرهم من ممارسة تعاليم دينهم، وعاقب على ذلك بالطرد من العمل أو حتى التعذيب.

ومن صور ذلك التعذيب التي يرويها إسماعيلوف أن قادة الجيش كانوا يجبرون الجنود المسلمين على أكل لحم الخنزير في رمضان، لضمان أنهم لم يصوموا، وأن ولاءهم إلى النظام لا إلى الدين.

ويقول رئيس الهيئة التشريعية في اتحاد المنظمات الاجتماعية "الرائد" -أكبر مؤسسة تعنى بشؤون المسلمين بأوكرانيا- سيران عريفوف، إن الصيام كان فعلا سريا يقتصر على الآباء، ولا يلقنونه للأبناء إلا تعريفا عاما خشية البطش، وكان جوابهم لأبنائهم عند الرغبة بالصوم: "الصوم لله، فإذا صمتم لا تخبروا أو تشعروا أحدا".

نهاية الشهر
ويشتهر لدى التتار آخر يوم صيام بأجواء احتفالية، أبرزها ما يسمى "كوكو تشيكارماك" (نشر روائح الطعام)، حيث يعمدون إلى طهي مختلف أنواع الطعام في الهواء الطلق، ليشم الجيران والمارة الرائحة ويأتون للأكل معا، احتفالا بعبادة الشهر وقدوم العيد.

ويشير الصحفي التتري ديلافير سيد أخميتوف إلى أن "كوكو تشيكارماك" والكثير من العادات والأجواء الرمضانية لدى تتار القرم تعود شيئا فشيئا إلى الظهور من جديد بعد أن غيبتها عقود الحرمان، شأنها شأن الدين نفسه، الذي يعود التتار شيئا فشيئا إلى التمسك والالتزام به.

يذكر أن تعداد تتار القرم يبلغ اليوم نحو خمسمائة ألف نسمة، وكانت أعدادهم تقدر بنحو مليوني نسمة عندما كان القرم ولاية تتبع لدولة الخلافة العثمانية في أجزائها الشمالية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة