ياسر المصري: نحتاج ثورة ثقافية   
الجمعة 18/2/1433 هـ - الموافق 13/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:42 (مكة المكرمة)، 11:42 (غرينتش)

الفنان ياسر المصري (يسار)  خلال التصوير في المسلسل البدوي بيارق العربا (الجزيرة نت)

حاوره/ توفيق عابد-عمان

منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي شق الفنان ياسر المصري طريقه داخل الساحة الفنية الأردنية، واشتهر لاحقا بالأعمال البدوية وخاصة مسلسل "نمر بن عدوان" الذي أدى فيه دور أمير شعراء البادية العربية بإتقان وتألق، كما شارك في عدة أعمال مسرحية ومسلسلات أردنية وتاريخية حقق فيها نجاحا ملفتا.

ويرى المصري أن غياب الدراما الأردنية عن الخارطة الفنية العربية يعود إلى غياب الثقة بالفنان الأردني، الأمر الذي لا يجذب المستثمرين للإنتاج.

ويؤكد أن الفنانين الأردنيين غارقون في الديون، ممّا يولد حالة من التذمر والشقاق بين أبناء المهنة الواحدة، وطالب بثورة ثقافية لإنقاذ الحركة الفنية  واستعادة تألقها.

الجزيرة نت التقت الفنان ياسر المصري وأجرت معه الحوار التالي:

باعتبارك أحد الوجوه البارزة داخل الوسط الفني بالأردن، كيف ترى المشهد بصراحة؟
 
- في المرحلة الحالية يحتاج المشهد الفني إلى ترميم على المستوى الداخلي والخارجي من القطاعين الحكومي والخاص والمستثمرين والفنانين أنفسهم. هذا الترميم ضروري جدا للحالة الفنية في الأردن، لأنها تعاني حاليا من الركود والمهنة تشيخ وتهرم، وبالتالي يجب إلقاء الضوء عليها أكثر لإنقاذ الحالات الاجتماعية في الوسط الفني، فنحن نعمل جنبا إلى جنب لمصلحة الفن والإبداع الأردني وليس من أجل النقود فقط.

ياسر المصري: المشهد الفني في الأردن يحتاج إلى إصلاح (الجزيرة نت)

وأحمّل المسؤولية هنا لأي جهة لها علاقة بالإنتاج واستثمار المبدعين من خلال التبادل الثقافي والحضاري في العالم، فإن لم نكن كفنانين موجودين على الخارطة العربية والعالمية، فهناك خلل لأن صاحب المال هو صاحب القرار لإنتاج أعمال ثقافية إبداعية درامية وسينمائية، والمهنة إن لم تتجدد تشيخ، فعلى مدار السنوات الماضية غاب الإنتاج الأردني واقتصر على تنفيذ أعمال خليجية.

الرأسمال جبان، والربح السريع هو الغاية، فهل تشجع أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار في أعمال فنية؟

- المنتج لا يبيع سمكا في الماء، ويعلم أن الفضائيات بالعشرات وتستهلك ساعات من البث، ولا بد أن تجدد برامجها على مستوى الدعاية والمسلسلات والأفلام الوثائقية. وأعتقد أنه إذا وجد نص جيد ومخرج جيد وطاقم محترف فلا صعوبة في تسويق العمل وستفتح له أي فضائية أبوابها. أما ما يجري حاليا فهوعكس ذلك تماما، فبعض المنتجين والجهات الداعمة للدراما تريد أكبر إنتاج في أسرع وقت ممكن وأفضل نتيجة ممكنة.

قلت إن هناك توقفا في إنتاج الدراما الأردنية، ما الأسباب؟


- أعتقد أنها عدم ثقة بالفنان الأردني، فالمؤسسات الحكومية والتلفزيون الأردني والمنتجون لا يثقون بالفنان الأردني باعتباره جزءا من التبادل الثقافي والحضاري، ولا يريدون وضعنا في دائرة المنافسة حتى لا ترتفع أجورنا ومطالبنا، وبالتالي غاب الدعم للفنان أو الحركة الفنية.

وأعتقد أن المسألة واضحة جدا وهي عدم ثقتهم بالفنان الأردني، ومن هنا أطالب بثورة إنسانية ثقافية قوامها الإصرار على مسألة أننا كفنانين لنا حق من خلال إبداعنا في التواجد على الساحة العربية، فالمنطقة حبلى بالقضايا من الأسطورة إلى الحياة الاجتماعية والتاريخ.

أليست الصناعة أن نعمل جنبا إلى جنب ونبتعد عن المصالح الشخصية؟ ودور الفنان والمخرج والكاتب أن يوسع ثقافته ويطور أدواته حتى يعطينا نصوصا مختزلة وحقيقية، ودورنا كفنانين ليس البحث عن استثمار أو تسويق العمل.

أعتقد أنه إذا وجد نص جيد ومخرج جيد وطاقم محترف، فلا صعوبة في تسويق العمل وستفتح له أي فضائية أبوابها

أغلبية أدوارك بدوية وقيل إنها عودة إلى الوراء وهروب من الواقع، فما تقول؟

- أنا لست مع هذا القول، فمن ناحية، إيجابية أي عمل يقدم فيه ميثولوجيا وحكاية إنسانية عالية ووجبة فنية دسمة كحالة المسلسلات البدوية التي تعتبر جزءا من تراث الجزيرة العربية التي تضم ملايين البشر الذين يستمتعون بهذه الحكايا، وبالتالي فهي بنفس أهمية التاريخي والمعاصر.

فلوننا البدوي نوع من التراث العربي، وعندما أشاهد فيلما أميركيا عن الكاوبوي أليس هو نفس اللون البدوي لكن بطابع ثقافي مختلف، في حين تقدم الهند مسرحية المهابهاراتا التي تستغرق ثماني ساعات كلون ثقافي من حضارتها.

أما السلبية فيرى البعض أن الأردن يكرر نفسه في المسلسلات البدوية، وهذا غير صحيح، بل أعتبره تميزا، والمسلسل المصري مثلا يقدم اللون الصعيدي الذي ينجح مع نور الشريف ويحيى الفخراني وغيرهما والجميع ينجذبون إليه لخصوصيته، واللون الأردني تتقبله دول الخليج العربية لأن اللهجة الأردنية انزرعت في ذاكرة الناس عبر محطات التلفزة الأرضية، في حين لو قدم عمل بدوي لدولة خليجية قد لا يتقبله خليجيون آخرون.

بأي مسلسل تفاخر؟ وأي مسلسل تتمنى مراجعة دورك فيه؟

- قدمت بعض التجارب، وبطبيعتي أستفيد من أي تجربة فنية، وكل ما قدمته تراكم فني يصب في مصلحة الاستفادة من العالم والوهج الموجود في مواقع التصوير، لكن العمل الحقيقي لشاشة التلفزيون لم أقدمه بعد، رغم أنني أكن للمسلسل البدوي "نمر بن عدوان" خصوصية لأنه أوصلني إلى قلوب الناس وهذا الأهم.

وأنتظر عملا سينمائيا حول "أسد الله" حمزة بن عبد المطلب لأن المرحلة الحالية تحتاج إلى بطل، ونحن ثلاثة شبان بشركة "الرأي للإنتاج الفني" لدينا مجموعة كتابات حول المشروع الذي ما زال في بدايته ويتناول -باختصار- ليس السلب والإيجاب في حياة حمزة بقدر ما يتناول موضوع "ما أرقى وما أجمل الإسلام.. ما أحلى الإسلام كحالة".

ياسر المصري (يمين) مع الممثل خالد صالح
في لقطة من فيلم "كف القمر" (الجزيرة نت)

انتقلت من التلفزيون إلى السينما في القاهرة.. كيف وجدتها؟

- كان العمل مفاجأة مع المخرج المصري خالد يوسف في فيلم " كف القمر" ووجودي بين فريق العمل وخوضي في مجال التدريب على اللهجة المصرية لمدة لا تتجاوز عشرة أيام وهذا غير كاف، ورغم ذلك كان إيمان فريق العمل فطريا وصادقا معي إلى أبعد الحدود، وبالتالي كانت الطاقة إيجابية جدا وقدمت ما يفوق طاقتي وفق توجيهات المخرج العبقري خالد يوسف الذي يفجر طاقات الممثل بطريقة محترفة.. هناك صناعة سينمائية حقيقية وبالتالي كانت تجربتي عبارة عن حلم في محطة من حياتي أتمنى أن تتكرر.

يصعب على الفنانين المصريين قبول الآخر، وهناك أقاويل كثيرة حول فنانين سوريين، ما تعليقك؟

- لم أدخل الحالة الفنية المصرية بعد وفيلم "كف القمر" أول عمل مع المخرج خالد يوسف وهذا لا يكفي للتقييم، لكن قرارات واختيارات خالد يوسف كمخرج فنية بحتة ولا ينظر إلى فنان مصري أو باكستاني، واهتمامه يتركز على ماذا تريده الشخصية ومن يصلح لها بالضبط.

هناك استقلالية في الاختيار لدى المخرجين، وأنتظر مشاركة في مسلسل "لوز شربات" مع الفنانة يسرا وسمير غانم، والعمل الآن قيد الإعداد، وهو مسلسل اجتماعي رومنسي كوميدي ببطولة جماعية ومن إخراج خالد مرعي.

في ظل ركود الدراما الأردنية، هل تنوي الاستقرار في القاهرة؟

- استقراري في الأردن وهذا ليس مزايدة على مواطنتي وطبيعة حياتي استقررت هنا، فقد سافرت إلى خمسين دولة للمشاركة في مسرحيات لمدة أشهر، لكنني أعود إلى عائلتي هنا، فالارتباط بالوطن والأسرة أهم حتى من العمل.

بصراحة، ما الذي منحته لك النجومية؟ وماذا أخذت منك؟

- غيّرتني كثيرا فالمسؤولية مصاحبة للنجومية أمام الناس الذين يتوقعون أن تكون إنسانا مختلفا، فمن يرى الفنان صادقا على الشاشة يريده صادقا في الواقع، وقد حاولت اعتزال النجومية لأن النجم إذا تقمص نجوميته وصدّقها ولم ينظر إلى مصير النجوم الذين سبقوه وانتقلت إلى البيت الأسري ستخربه وتدمر علاقاته مع الناس. وقد أقسمت ودعوت الله تعالى أن لا تغيرني وأن أبقى ممثلا أقدم أعمالا جيدة.
 
وكفنان أرى أن 49% من الفنانين يظهرون على الشاشة الفضية ويتحدثون في لقاءات عكس حياتهم، وهذه مكشوفة في الوسط الفني وتعد تناقضات في التعامل مع النجومية، لكن وجدت الفنان المصري خالد صالح نجما على المستوى الإنساني وكذلك الفنان أحمد زكي.

وفي المقابل أخذت النجومية مني الكثير، فالإحساس بالمسؤولية تضاعف تجاه نفسي ومراقبتها وقد استحوذت على الوقت المخصص لأسرتي، حيث أحتاج إلى القراءة والاستعداد للدور والاندماج مع الشخصية، وبالتالي أبتعد عن أسرتي فترة زمنية طويلة. كما تبعدني على الصعيد الاجتماعي، ففي هاتفي 1500 اسم لا أستطيع أن أتواصل معهم، وبشكل ما هي مصداقيتي بشكل غير مقصود وهذا يحزنني.

المصري في لقطة من مسلسل
"رجال الحسم" (الجزيرة نت)

كفنان له بصمته على الخارطة الأردنية والعربية، ما هي مشاكلك؟

- كفنان أريد نصا جيدا دائما، وإذا وجد فأنا مستعد لأحفر في الصخر ليخرج إلى النور، والمشكلة أن كل من يكتب نصا يعتقد أنه جيد، لكن قراءاتي مختلفة وأربطها دائما بما يحمل هذا النص للناس وماذا يقدم لهم وما الهدف منه، فهو ليس مجرد حوار وسيناريو وقصة، لهذا فإن فهمي الشخصي يؤرقني وليس التوقف عن العمل.

ومن هذا المنطلق رفضت ما يقارب خمسة نصوص في العام 2011، آخرها مسلسل الفاروق "عمر بن الخطاب" مع المخرج السوري حاتم علي لأسباب مهنية، وباعتبار أن شخصية الفاروق تحتاج فترة من الزمن لدراستها.

وهناك عمل آخر من بطولة الفنان المصري خالد صالح بعنوان "جامعة الدول" لأن الشخصية لا تناسبني رغم أن المسلسل جميل ومهم والفريق رائع جدا.

هناك نظريتان: الفن للفن وللفن رسالة.. ياسر المصري ما رسالته؟

- رسالتي أن أقدم أعمالا ترضي الله تعالى، حتى لا أكون مسؤولا أمامه جراء تقديم عمل مبتذل. وعندما أقرأ عملا أتوسم خيرا للجيل العربي الحالي والقادم، ولا أعتبر نفسي فنانا مسيسا ولم أنخرط في علاقات سياسية، وأعتقد أن الفنان يجب أن يكون حياديا، ولا يحمل وجهات نظر سياسية يعكسها في أعماله الفنية.. لستُ مسيسا وأتعامل مع الأوضاع كهم إنساني وأميل إلى السلام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة