قاسم وشقيقاته.. أطفال بلا شعر   
الاثنين 6/4/1436 هـ - الموافق 26/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 11:17 (مكة المكرمة)، 8:17 (غرينتش)

عاطف دغلس-سلفيت-فلسطين

لم تحلم الشقيقات بتول وماريا وثراء بأكثر من مشط ورباط للشعر "بكلة" وشيء من أدوات الزينة تضعه الطفلات الثلاث فوق رؤوسهن، بينما كان حلم شقيقهن الرابع قاسم أقل من ذلك بكثير. فالحب وشيء من "ود المجتمع" والعيش الكريم بأبسط الحقوق بات همّ قاسم مؤيد (13 عاما) وشقيقاته الثلاث بعدما أضحوا مصابين بمرض "عدم نمو الشعر" فتشابهوا بالشكل وليس بالقرابة فقط، وبات التمييز بينهم صعبا، وبنبرة الصوت أحيانا.

وبمنزلهم في قرية بروقين قضاء مدينة سلفيت بشمال الضفة الغربية، تبقى حكاية الشقيقات الثلاث أكثر مرارة وألما، أما قاسم فقد أسعفته الذكورة وأخرجته من "فخ" المجتمع وتقولاته المجحفة التي لا تنتهي.

والبقاء بالبيت يُعد الخيار المُر والأصعب بالنسبة لبتول وشقيقاتها، لكنه يظل أكثر رحمة من كلام الناس الجارح وتمتمات البعض في الحي الذي يقطنون أو بأي مكان يذهبون إليه، تقول بتول.

وتضيف أن أبسط ما تحرم منه وشقيقاتها الإناث تحديدا هو الخروج من البيت وخاصة مع ذويهن، وأن أقصى مكان يزرنه لا يتجاوز حدود المدرسة أو العيادة الصحية لمراجعة الطبيب، وكل ذلك كي لا تسمع كلمات مثل "قرعة وصلعة" وبعض التهكمات، حتى ممن يفترض أنهن زميلاتها بالمدرسة "اللواتي لا يُدركن أن ما أنا فيه هو خلقة الله" تتابع بتول قصتها بحُرقة.

قاسم أسعفته ذكوريته من نظرات الناس وكلامهم الجارح (الجزيرة)
ذات الكلمات
وذات الكلمات يسمعها قاسم، لكنه لا يبالي بها، فهو لديه مجموعة جيدة من الأصدقاء في الحي والمدرسة، وأكثر حظا من شقيقاته.

ولم يكن لدى الوالدين أي شك يُظهر بما يعانيه أبناؤهما بأنه مرض خاصة في سنواتهم الثلاث الأولى، وليس الأمر سوى "شقار زائد في البشرة" وفق بعض الأطباء أو نوع من الجمال.

وتقول والدتهم فاتن عبد الله "أم قاسم" إن أيا من الأطباء الذين عاينوا أبناءها لم يحدد سبب المرض، أو يكلف نفسه بإجراء عملية تشخيص واضحة لأطفالها مثل فحوصات شاملة أو ما شابه لوصف العلاج المناسب.

ونظرا لعدم إجراء التشخيص المناسب، كان الأطباء "يتخبطون" بوصف العلاج أو حتى بمعرفة سبب المرض، ورد أغلبهم بأنهم يعانون من عدم نمو في بصيلات الشعر وأنهم يحتاجون لمادة الزنك كعلاج، "ولم يكن ذلك سوى هروب من قلة معرفتهم وبحثهم".

همُ أكبر
وتشير فاتن التي أحرقتها نظرات الناس لأبنائها -لا سيما الفتيات- إلى أنه لا صلة قرابة مع زوجها "مما يعني أن المرض ليس وراثيا" كما أن طفلتها الخامسة سندس ولدت بشعر طبيعي، رغم نصائح أولئك الأطباء بضرورة "إجهاضها" وهي ابنة شهرين خوفا من إصابتها بذات المرض.

شقيقات قاسم بتول وثراء وماريا اللواتي يعانين مثله من مرض عدم نمو الشعر (الجزيرة)

وتكتوي عائلة أبو قاسم ليس بنار المرض وما يترتب عليه من معاناة "وقسوة مجتمعية" وإنما بقلة إمكانياتها بتوفير العلاج (الزنك) أو الأعشاب الطبية التي بات الأمل معلقا بها بعد الله، يقول مؤيد خليل "أبو قاسم".

وأضاف أن العلاج غير متوفر بوزارة الصحة ويصل ثمن العبوة الواحدة لأكثر من عشرة دولارات أميركية، ويحتاجون لخمس منها شهريا ولمدة زمنية طويلة، أما وزارة الشؤون الاجتماعية فلم تستجب لطلبهم بالمساعدة بتوفير العلاج لكون أن الحالة "لا تصنف" تحت بند الشؤون.

وكل ما حصلت عليه العائلة -يقول مؤيد- هو مساعدة من الرئاسة الفلسطينية عبر محافظة سلفيت وقيمتها نحو أربعمائة دولار ولمرة واحدة فقط.

وتقول مديرة الدائرة الاجتماعية بمحافظة سلفيت إن همّ هذه الأسرة واحتياجها أكبر من دعم مالي بسيط، وهي تحتاج علاجا كاملا يبدأ بالفحوصات الشاملة وينتهي بالوصف الدقيق للعلاج.

ولفتت لميس الريماوي -في حديث للجزيرة نت- إلى أن هناك معاناة نفسية للأسرة تفوق المادية، وأن الهاجس الوحيد الذي يؤرقها هو عدم معرفة سبب المرض وبالتالي العلاج، مضيفة أن هذا هو المطلوب من وزارة الصحة تحديدا والجهات المعنية تقديمه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة