ميهوبي: لا خوف على العربية في الجزائر   
الجمعة 27/2/1436 هـ - الموافق 19/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:23 (مكة المكرمة)، 11:23 (غرينتش)

حاوره: الخير شوار-الجزائر

يرأس الشاعر والروائي الجزائري عز الدين ميهوبي حاليا "المجلس الأعلى للغة العربية" بعد مسيرة أدبية وسياسية حافلة. والشاعر المتعدد الاهتمامات، فاجأ الجميع بانخراطه في السياسة في نهاية تسعينيات القرن الماضي ليدخل من بوابة البرلمان، ويرأس بعد ذلك "اتحاد الكتاب الجزائريين" لولايتين، ويدير بعد ذلك الإذاعة الجزائرية، ثم يصبح وزيرا للاتصال، دون أن ينقطع عن الإنتاج الأدبي.

وفي هذا الحوار الذي خص به الجزيرة نت، ينطلق ميهوبي من واقع اللغة العربية في الجزائر في وقت عاد فيه السجال مجددا عن المسألة اللغوية في البلاد.

ماذا يعني الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في الجزائر؟ ألا ترى أن الأمر لا يتعدى بعض المراسم الروتينية؟

هناك أكثر من ستة آلاف لغة في العالم كما تقول إحصائيات اليونيسكو، وعندما يخصص يومٌ للغة العربية، فليس اعتباطيا لأن هذه اللغة حفرت عميقا في ذاكرة الحضارات الإنسانية، وقدمت الكثير لأمم كانت بحاجة إلى المعرفة، ثم إنها اللغة الأكبر معجما بما يزيد على مليوني كلمة ذات معنى من أصل 12 مليونا وثلاثمائة ألف كلمة تشكل مجمل ما يمكن أن يختزنه بطن اللغة العربية، لكننا بحسب نسبة استنتجها في دراسة لي قمت بها في العام 2006، لا نستخدم سوى 0.04% أي ما يربو على 12 ألف كلمة قابلة لأن تكون صالحة للاستعمال في كل المجالات.

فالإعلام مثلا لا يستخدم أكثر من ثمانية آلاف كلمة في كل المضامين، السياسية والثقافية والاقتصادية.. ومن حق العربية أن تنال حظوة الاعتراف.

بالمناسبة، ترأسون "المجلس الأعلى للغة العربية" منذ سنة 2013؟ ماذا قدمت هذه الهيئة السياسية للثقافة العربية في الجزائر؟

قبل أن يتم تعييني على رأس المجلس الأعلى للغة العربية كنت منخرطا في كل نشاطاته، وأنا مستمر في استكمال أهداف الهيئة من نشر وندوات ومتابعة ميدانية لاستخدامات اللغة العربية في الإدارة والمحيط.

أن تستعيد الجزائر لغتها بعد حرب ضروس استمرت طويلا وأن تكون في واجهة المشهد الثقافي والأدبي والأكاديمي العربي، دليل على أن المدرسة الجزائرية أنتجت جيلا فيه الكثير من القدرة رغم ما تتطلبه من تعميق للإصلاحات

أما ماذا قدم المجلس، فيمكنني القول إن اللغة تجد اهتماما كبيرا من لدن أعلى هرم في الدولة، ذلك لأن المجلس الأعلى للغة العربية والمجمع الجزائري للغة العربية والمحافظة السامية للأمازيغية، كلها هيئات تنشط برعاية رئاسة الجمهورية، وهذا تأكيد على أن اللغة تهني الهوية، ولا يمكن ألا تنال الهوية الوطنية مكانتها في فكر الدولة وممارساتها.

وأما مكانة المجلس عربيا فهي مكرسة في حضوره الدائم في كل الفعاليات التي تقام في مختلف العواصم العربية عارضا تجربة الجزائر لأنها جديرة بالتعرف عليها، إذ إن الجزائر تعرضت لاستعمار استيطاني استهدف اللغة بصورة أكثر شراسة. وأن تستعيد الجزائر لغتها بعد حرب ضروس استمرت طويلا ويجد الجزائريون أنفسهم في واجهة المشهد الثقافي والأدبي والأكاديمي العربي فارضين تألقهم وتفوقهم، فذلك دليل على أن المدرسة الجزائرية رغم ما تتطلبه من تعميق للإصلاحات فإنها أنتجت جيلا فيه الكثير من القدرة على تقديم إبداع متميز بالعربية.

وشخصيا لا أرى حاجة لتأكيد ذلك فأسماء جزائرية بارزة -أبانت عن اقتدار- كثيرة ومن كل مناطق الوطن، فلم السوداوية التي تختزل الأمر في واجهات محلات بعض الشوارع لأنها لم تُكتب بالعربية.. ألم تلفت انتباه الناس لافتات باللغة العربية في شوارع مارسيليا أو باريس، فلا الفرنسية أزاحت العربية، ولا العربية أحرجت الفرنسية في بيتها.. تلك هي إفرازات الهويات الزاحفة.

لا تزال البلاد تشهد جدلا لغويا كبيرا إلى درجة "الصراع"، لكننا لم نسمع للمجلس الذي ترأسونه أي موقف مما حدث ويحدث، فلم هذا الغياب؟

للمجلس مهام محددة قانونا وليس من أهدافه أن يخوض في نقاشات لا تنتهي بشأن اللغة العربية، وهي في غالبها ذات بعد ثقافي أو أيديولوجي لم يتوقف منذ سبعين عاما، وكأن مسألة اللغة محصورة في ديارنا نحن فقط. وأنا لا أزعم أنني متابع للصراع اللغوي والحروب اللسانية الدائرة في كل بلاد الدنيا.

الأميركان يسعون إلى فرض الإنجليزية لغة رسمية للولايات المتحدة بعد أن لوحظ الصعود القوي للإسبانية، بل هناك من يتنبأ بتفوق لغة سيرفانتيس على لغة شكسيبير بعد أقل من خمسين عاما

فالأميركان يسعون إلى فرض الإنجليزية لغة رسمية للولايات المتحدة بعد أن لوحظ الصعود القوي للإسبانية، بل هناك من يتنبأ بتفوق لغة سيرفانتيس على لغة شكسيبير بعد أقل من خمسين عاما، وهنتنغتون يدعو في كتابه "من نحن" إلى ضرورة إكراه الأميركان على القبول بالثقافة الأوروبية البيضاء ولو باستخدام القوة، وفي كندا يستيقظ الناس كل صباح على قضية موضوعها اللغة، وفي فرنسا وجدت الحكومة نفسها مجبرة على تعديل قانون تعميم استعمال اللغة الفرنسية والسماح باستخدام اللغات الأخرى، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية في البحث العلمي، وهو ما اعتبر "خيانة" للغة موليير، وفي بلجيكا صراع لغوي بين الفرنكفونيين وأتباع الألمانية والهولندية، وفي حرب روسيا وأوكرانيا تتحول اللغة الروسية إلى وقود لها، وأمثلة كثيرة.. لهذا برز بقوة مصطلح الأمن اللغوي في مقابل الحروب اللغوية التي تشكل بانتشارها عنصرا أساسيا في الحرب الباردة والساخنة معا.. لهذا فالمجلس لا يعرف حدوده، كون أطرافه ينطلقون من رؤى مختلفة، وأحيانا إقصائية، تتسع معها فجوة التوافق.

انزلق الجدل الذي صاحب بروز رواية كمال داود "ميرسو.. تحقيق مضاد" إلى حد التكفير والتخوين، كيف تابعت القضية التي بدأت من سجال يتعلق باللغة والهوية؟

شخصيا لم أطلع على رواية كمال داود، وإن قرأت بعض ما كُتب عنها بعد ترشيحها لجائزة الغونكور، وقد أسالت -بفعل التناول الإعلامي- حبرا كثيرا، إما لمضمونها، أو لمواقف الكاتب الثقافية والسياسية خاصة ما تعلق بنظرته للدين والهوية واللغة.. ولا أرى مبررا لإخراج النقاش عن دائرة الحق في الاختلاف وإبداء الرأي، ولو بدا قاسيا في بعض أحكامه، إلا أن الكاتب اختار بقناعة أن يمارس حريته حتى حدود الخطوط الحمراء وهذا شأنه، وما على من لا يوافقه إلا أن يقارعه بالرأي والحجة وباللغة المتسامحة، لا بأساليب تزيد في التشنج والاحتقان من تخوين وتخويف. وكما جعل الراحل وطار شعارا للجاحظية "لا إكراه في الرأي"، يمكنني أن أضيف إلى ذلك "لا إكراه في الحرية".

كيف يكون هناك حوار ثقافي بين دعاة الأمازيغية والعربية وهناك من يحاول فرض "نظرية عروبة الأمازيغ" بالقوة، في وقت لا يفكر الطرف الآخر إلا بمنطق الإلغاء؟

الروائي كمال داود اختار بقناعة أن يمارس حريته حتى حدود الخطوط الحمراء وهذا شأنه، وما على من لا يوافقه إلا أن يقارعه بالرأي والحجة وباللغة المتسامحة لا بأساليب تزيد في التشنج والاحتقان

أعتقد أن الغلو في التعبير عن المواقف كثيرا ما يضر بالمواقف نفسها، والحوار وحده يقود إلى تقارب وجهات النظر.

من البرلمان إلى رئاسة اتحاد الكتاب الجزائريين والعرب ثم إدارة الإذاعة، فوزارة الاتصال، وليس انتهاء عند "المجلس الأعلى للغة العربية". ماذا قدمت وماذا أخذت تلك المناصب من عز الدين ميهوبي الشاعر؟

الشيء الثابت أنني لم أتوقف يوما عن الكتابة، ففي حوزتي كم من المؤلفات من شعر ورواية ودراسات ومقالات.. وأما الهيئات والمؤسسات التي تشرفت بالإشراف عليها، فأنا أعتبرها مهام اجتهدتُ في أن أقدم الجهد المطلوب ضمن المهام المنصوص عليها في القانون والصلاحيات.

لا يكاد القارئ يعرف ما آخر إصداراتك، فأنت تنشر بغزارة وفي شتى الحقول، كيف جاء هذا التنوع؟

بحوزتي جملة من الأعمال الأدبية، منها: "خطأ أن تكتب خطيئة أن تنسى" (مقالات)، "من برج بابل إلى أبراج مانهاتن" (دراسة حول الحروب اللغوية والأمن اللغوي)، و"حرب المغيلي" (رواية)، و"الفراشات والمسوخ" (رواية)، وما لم يعشه السندباد (طبعة مزيدة)، وسيناريو فيلم "ماسينيسا"، وترجمة روايتي "قسم أطوشا وقيامة بلا صلبان" إلى الإسبانية.. وأشياء أخرى هي قيد التنقيح.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة