مقابلة مع الشيخ حارث الضاري   
الجمعة 1429/10/18 هـ - الموافق 17/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 4:19 (مكة المكرمة)، 1:19 (غرينتش)

الضاري قال إن الاتفاقية الأمنية ستبسط يد أميركا على الموارد العراقية الرئيسة (الجزيرة نت)

محمد أعماري-الدوحة

قال الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق الشيخ حارث الضاري إن المقاومة العراقية سترجع إلى كامل قوتها خلال الأشهر القليلة القادمة، مؤكدا أن مجالس الصحوات التي أنشأها الأميركيون منذ حوالي سنتين تمكنت فعلا من تعطيل عمليات المقاومة بنسبة 50% إلى 60%. ومن جهة أخرى أكد الضاري أن الاقتتال الطائفي في العراق "ذهب إلى غير رجعة" وأنه كان "فتنة سياسية".


أصدرتم مؤخرا فتوى تحرمون فيها الاتفاقية الأمنية التي تنوي الحكومة العراقية توقيعها مع الأميركيين، هل تتوقعون أن تكون لها نتائج سياسية؟

بسم الله الرحمن الرحيم، أفتينا بحرمة الاتفاق مع الأميركان، وحرمة التوقيع على هذه الاتفاقية من أي طرف عراقي، وذلك من منطلق شرعي ووطني ومصلحي وإنساني، لأن هذه الاتفاقية فيها كثير من الأخطار التي تهدد العراق، فهي تشمل مناحي عديدة وليس الجانب الأمني فقط كما يوهم بذلك اسمها وكما يحاول أصحابها تسويقها، بل تتعدى هذا الجانب إلى جوانب سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية.

ومعنى هذا أن تشارك الولايات المتحدة في تدبير كل هذه الجوانب وتكون الشريك المهيمن، وأن السيادة والتوجيه والهيمنة ستكون أميركية في كل هذه المجالات، وفي ذلك انتهاك لسيادة العراق وإضرار بمصالحه، كما أن هذه الاتفاقية لن تؤدي إلى الانسحاب الكلي لقوات الاحتلال الذي يطالب به أبناء العراق جميعا وفي مقدمتهم المقاومة العراقية.

فالاتفاقية التي يريدون التوقيع عليها مع الأميركيين تنص على احتفاظهم بقواعد عسكرية في العراق، هناك من يقول إنها 50 قاعدة وهناك من يزيد على ذلك أو ينقص. وأيا كان العدد حتى ولو قاعدة واحدة، فمعنى ذلك أن الاتفاقية ستبقي الجيش الأميركي كله أو بعضه في هذه القواعد ولا يترتب على هذه الاتفاقية سوى خروج الجيش الأميركي من الشوارع والأحياء ليتحصن ويختبئ في القواعد العسكرية.

لكن مؤيدي الاتفاقية قد يردون عليكم بأن هذا في حد ذاته مكسب إذا تراجع الجنود الأميركيون ولزموا قواعد عسكرية محددة وأصبحت لهم مهام أقل مما يتمتعون به الآن؟

لا هذا ليس مكسبا لأن هذا الجيش سيتحرك وفق إرادته وكذلك إذا دعته الحكومة العراقية لضرب أبناء الشعب ممن تراهم خصوما لها، وخصوصا المعارضين للاحتلال وللعملية السياسية التي تجري برعايته، كما أن هذا الجيش الأميركي قد يفتعل معارك جانبية مع جيران العراق ويورط البلاد في حروب تصبح طرفا فيها.

ثم إن هذه الاتفاقية ستسيطر الولايات المتحدة الأميركية بموجبها على الموارد العراقية الرئيسة، وفي مقدمتها ثروة النفط، الذي من المتوقع أن تصادق الحكومة على قانونه، وإذا صادقت عليه فإن ذلك سيكون كارثة، حيث إنه يعطي أميركا حق التصرف في النفط العراقي إنتاجا وتوزيعا، كما يروج أن الشركات الأميركية التي سيتم التعاقد معها ستحصل على حوالي 82% من ثروة العراقيين النفطية.

أما في مجال الثقافة فربما تتدخل الحكومة الأميركية من خلال هذه الاتفاقية في مناهجنا الدراسية والتعليمية، وربما تتدخل رسميا حتى في المجالات الثقافية التي تغترف من عقيدتنا الإسلامية وقيمنا التي ألفناها.

فهذه الاتفاقية إذن خطيرة على العراق في كل بنودها، حتى تلك التي يراها البعض بسيطة، لذلك رفضناها وأفتينا بحرمة التوقيع عليها، ونعتقد أن هذه الفتوى ستجد صداها عند أبناء شعبنا العراقي وعند بعض المسؤولين الذين نتوقع منهم أن يرفضوا هذه الاتفاقية.


أنتم الآن ترفضون الاتفاقية، لكن ما هو البديل الذي ترونه؟

البديل عن هذه الاتفاقية هو رفضها، لأن أميركا ليست الآن في وضع يمكنها أن تفرض أي اتفاق، وأكثر ما تستطيعه هو أن تقيل الحكومة، وهي لن تفعل ذلك لأنها قد لا تجد من يوقع معها على الاتفاقية غير هؤلاء الذين يبدون الآن استعدادهم لذلك، وحتى إن وجدت من يوقع معها فهو من سيتحمل المسؤولية...


لكن أميركا الآن باقية في العراق باتفاقية أو بغيرها؟

الأميركيون لن يبقوا في العراق، وبقاؤهم فيه لا يفيدهم شيئا، وهم الآن يريدون أن يوقعوا هذه الاتفاقية وينسحبوا سنة 2011 كما يقولون، وهذا كله هو نتيجة لعمليات المقاومة وليس بفعل الاتفاقية، وإذا نظرنا إلى هذا الذي يحدث الآن في أميركا، فهو من تداعيات ورطتها في العراق التي كلفتها الكثير من المال والرجال والجهد والمعدات العسكرية، إضافة إلى الوقت الذي أهدرته في هذه الحرب الخاسرة وتلهت بها عن التفكير في مصالح الأميركيين الحقيقية.

أنشأت القوات الأميركية ما سمتها مجالس صحوات من أجل مواجهة مقاتلي الجماعات المسلحة في العراق، والآن تعهدت الحكومة العراقية بدمج أعضاء هذه الصحوات في الجيش والشرطة وفي وظائف مدنية، ما تقييمكم أنتم لدور هذه الصحوات؟

"
الصحوات قدمت للاحتلال الشيء الكثير وأسهمت في تعطيل عمل المقاومة بنسبة 50% إلى 60%، وقدمت خدمات كبيرة للأميركيين، ومع ذلك فالاحتلال أعلن في سبتمبر/أيلول الماضي أن دورها قد انتهى
"
الضاري

الصحوات انتهى دورها الذي أنشأها الأميركيون من أجله، وأدت ما عليها للاحتلال وأسدت له خدمة كبيرة ومهمة، ويؤكد هذا ما عبر عنه أحد جنرالات الاحتلال الأميركي حين قال إن ما قدمته الصحوات لأميركا أكبر مما قدمته لها تقنياتها وأجهزتها المتطورة. وكذا ما كشف عنه مسؤول آخر في الإدارة الأميركية حين قال "كدنا ننهزم في سنة 2006 أو ننسحب لولا شيوخ الصحوات".

كل هذا يؤكد والواقع أيضا يؤكد أن الصحوات قدمت للاحتلال الشيء الكثير وأنها أسهمت في تعطيل عمل المقاومة بنسبة 50% إلى 60%، وأنها قدمت خدمات كبيرة للأميركيين، ومع ذلك فالاحتلال أعلن في سبتمبر/أيلول الماضي أن دور الصحوات قد انتهى.

قلتم إن هذه الصحوات قد عطلت عمل المقاومة، أليس هذا اعترافا بأن الأميركيين فعلا استطاعوا أن يحققوا نجاحا أمنيا في العراق كما يقولون؟

الاحتلال فعلا صادق في بعض ما يدعيه وليس في الكل، فهم يقولون إنهم حققوا الأمن في العراق، والواقع أنهم حققوا الأمن في مناطق معينة، وهذا الأمن الذي يدعونه تعرض لكثير من الاختراقات، بل إن بعض المناطق عادت فيها الأمور كما كانت، وبعضها الآخر معرض لأن يعود كما كان.

وحتى الجنرال ديفد بترايوس الذي كان قائدا للقوات الأميركية في العراق، قال عندما غادر إلى مهمته الجديدة في القيادة الأميركية الوسطى إن الوضع الأمني في العراق هش، وكذلك قال أيضا وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.

صحيح أنهم حققوا ما يسمونه أمنا في بعض المناطق لكنه معرض للزوال في أي لحظة، أما الحكومة فقد حققت الأمن من خلال تقطيعها مدينة بغداد إلى مناطق مسيجة بأسيجة عالية مثل الجدار الإسرائيلي العازل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل إن هذه الأسيجة عزلت شوارع بغداد عن بعضها البعض.


وما مستقبل المقاومة إذن في ظل هذا الواقع الذي تتحدثون عنه؟

المقاومة تراجعت فعلا مع الصحوات، لكنها اليوم وقبل أن تنفض أميركا يدها منها، استعادت قوتها ونشاطها، وهي تزداد يوما بعد يوم قوة ونشاطا ونتوقع لها أن تصل إلى المستوى الذي كانت عليه قبل نشوء الصحوات في غضون أشهر قليلة قادمة بحول الله تعالى.


إذا فشلت عملية دمج الصحوات في القوات الأمنية العراقية، فهل يمكن أن ينعكس ذلك على فعل المقاومة؟

أنا أولا لا أعتقد أن الحكومة ستدمج مقاتلي الصحوات في الجيش والشرطة، لأن الحكومة نفسها هي من الأطراف التي تستهدف الصحوات كما تستهدفها القاعدة والاستخبارات الإيرانية والقوات الأميركية والمليشيات الكردية، وذلك بعد أن انتهى دور هذه الصحوات وقدمت للاحتلال ما قدمت. ولا أتوقع أن تنفذ الحكومة ما أعلنته تجاه مقاتلي الصحوات، ولن تقبل منهم إلا العدد القليل ممن تختبرهم وتتأكد من إخلاصهم لها.

 شهدت مدينة الموصل وشمال العراق بصفة عامة في الأيام الأخيرة موجة تهجير وتقتيل للمسيحيين، واتهمت الحكومة العراقية ما سمتها جماعات مسلحة بالوقوف وراء هذه الحملة، من يقف وراء هذا التهجير والتقتيل في نظركم أنتم هيئة علماء المسلمين، ومن له المصلحة في هذا العمل؟

تعرض أبناء الموصل عموما بمسيحييهم ومسلميهم وكل مكوناتهم بعد الاحتلال مباشرة لاغتيالات واختطافات وابتزازات وترحيل وتهديد، واستهدفت هذه الحملات خصوصا الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات وعلماء الدين، وكانت الجهات التي تتهم عديدة، منها القاعدة ومنها الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) ومنها أيضا استخبارات تابعة لأحزاب كردية وكذا الاستخبارات الإيرانية والمليشيات التابعة للمجلس الأعلى وغيرها.

وفي هذه الحملة الأخيرة التي استهدفت المسيحيين بالذات تم اتهام بعض الجهات، ولكننا في الهيئة تبين لنا أن هذه الحملة كانت منظمة وتقف وراءها جهة سياسية، وقد خرج إلى الإعلام أحد الأساقفة المسيحيين وذكر أنهم يتعرضون لحملة منظمة من أطراف سياسية لإرغامهم على التحالف معها...


ما هي هذه الأطراف السياسية؟

الضاري قال إن مقاتلي الصحوات قدموا الشيء الكثير للجيش الأميركي (رويترز-أرشيف)
لم يسمها، ولكن أنا سميتها في تصريح لقناة الجزيرة بناء على ما لدينا من معلومات تقول إن الأكراد هم الذين يقفون وراء هذه الحملة ويهدفون من ورائها إلى تهجير المسيحيين من الموصل وأطرافها إلى القرى المسيحية المحاذية لإقليم كردستان ليتجمعوا هناك وليكونوا كتلة بشرية مع غيرهم مناسبة لتدخل الانتخابات البلدية في محافظة الموصل وتصوت إلى جانب المؤيدين للأحزاب الكردية، وبالذات الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود البارزاني...


لكن لماذا استهداف المسيحيين بالضبط وليس غيرهم؟

لأن القرى المسيحية التي هجروا إليها قريبة من إقليم كردستان، لذلك يردون في المستقبل أن يضموها إلى الإقليم، وكانت هناك أحداث أخرى تعود إلى ما يقرب من ثلاث سنوات قتلت فيها شخصيات واتهم فيها الأكراد، لكن ذلك لم يعلن لأسباب منها رغبتنا في التأكد والتثبت والدقة، أما الآن فقد تأكد لدينا بما لا يقبل الشك وجاء الوقت المناسب لإعلان هذه الحقائق ليعلم القاصي والداني أن المخابرات الكردية كانت وراء اغتيال الكثير من الشخصيات في الموصل وكركوك وفي مناطق أخرى من العراق.

تحدثتم في الأيام الأخيرة عما قلتم إنه وجود مكثف للإسرائيليين في العراق، هل لكم أن توضحوا أكثر مظاهر هذا الوجود؟

الوجود الإسرائيلي في العراق يتمثل في نواح عديدة منها ما هو استخباراتي يستظل بظل الاحتلال وقواته، وهناك في السفارة الأميركية بالمنطقة الخضراء في بغداد يهود إسرائيليون كثر، كما يخبرنا من يذهبون إلى هناك، بل ومن هؤلاء الإسرائيليين من يجاهر بهويته ويظهر علامات مثل وضع الطاقية على الرأس والحديث باللغة العبرية.

ومن هؤلاء المخبرين من يعمل تحت غطاء الاحتلال ومنهم أيضا من يستظلون بالاستخبارات الكردية، ومنهم من يتخفى وراء مهن أخرى كالتجارة أو العمل في الشركات والمؤسسات الاستثمارية. ومن الوسائل التي يستعملها الاختراق الإسرائيلي للعراق أيضا الجمعيات الإنسانية وجمعيات التبشير وما شاكلها.


هل يمكن أن يكون لليهود العراقيين دور في هذا الاختراق؟

نعم، يمكن أن يكون لهم دور ويمكن أن يكون أيضا لغيرهم.


كيف تنظرون إلى مستقبل العراق بعد انتخاب رئيس أميركي جديد، هل سيتغير شيء؟

العراق سائر إن شاء الله في اتجاه التحرير والنصر إن عاجلا أو آجلا، أما ما نتوقعه من الرئيس الأميركي القادم، سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا فهو أن يحدث تغييرا في السياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما في العراق وأفغانستان، وغيرهما من المناطق الساخنة التي تورطت فيها أميركا في عهد إدارة بوش وتسببت في ما فيه أميركا الآن من مشاكل اقتصادية وسياسية.

بالإضافة إلى الاحتلال الأميركي، يتحدث الكثير من المراقبين عن تدخل إيراني في العراق، أيهما أخطر على العراق بنظركم، أميركا أم إيران؟

جنود أميركيون في العراق (الفرنسية-أرشيف)
الاحتلال الأميركي خطر والتدخل الإيراني في العراق خطر أيضا، أما أيهما الأخطر فهو الاحتلال الأميركي، ولذلك فنحن نؤمن بأن أول ما يجب التخلص منه هو هذا الاحتلال لأنه هو الخيمة التي يستظل بها كل الذين يريدون الشر للعراق وكل الطامعين فيه والراغبين في تقسيمه أو إضعافه.

ففي ظل هذه الخيمة استظل المشروع الإسرائيلي الصهيوني والمشروع الإيراني والمشروع الكردي الانفصالي وكل المشاريع السيئة التي تريد تدمير العراق وشعبه، ولهذا فإننا نرى أن المشروع الأخطر الذي ينبغي أن يعالج أولا هو المشروع الأميركي، وبعد ذلك ننتقل لمواجهة المشاريع الأخرى، وأعتقد أنه إذا انتهى المشروع الأميركي ستنتهي كل هذه المشاريع لأنها جاءت معه وستنتهي معه بعون الله.

الذين استطاعوا أن يربكوا المشروع الأميركي في العراق ويوقعوا به ما أوقعوا من خسائر بشرية ومادية أرغمته على التفكير في الخروج من العراق، هؤلاء قادرون على التصدي للمشاريع الأخرى والقضاء عليها إن شاء الله لأن الشعب العراقي شعب ذو أصالة وشعب طويل النفس ولا يبخل بالتضحية من أجل العراق مهما كانت قيمتها.

منذ مدة لم نسمع عن عمليات تفجير المساجد والحسينيات في العراق، هل ذهب الاقتتال الطائفي إلى غير رجعة؟

الاقتتال الطائفي في العراق انتهى إلى غير رجعة، وهو في الواقع لم يكن اقتتالا مذهبيا بين السنة والشيعة، وإنما كان في حقيقته اقتتالا سياسيا وفتنة تقف وراءها الأطراف السياسية الحاكمة التي أرادت من خلالها أن تقضي على خصومها المعارضين للاحتلال وللعملية السياسية المجحفة المبنية على الطائفية والعنصرية وكذلك أرادت الحكومة والاحتلال على حد سواء أن تصل هذه الفتنة إلى نهايتها ألا وهي الحرب الأهلية وتقسيم العراق إلى فدراليات...


لكن ألا ترون أن أسباب وظروف هذا الاقتتال الطائفي مازالت قائمة؟

معارضة الاحتلال والحكومة العراقية الطائفية يشترك فيها كل العراقيين سنة وشيعة وغيرهم، ويرفضون تقسيم العراق ويقفون في وجه التدخلات الخارجية فيه، سواء كانت دولية أو إقليمية، أما الحكومة فلا تمثل إلا أحزابا وفئات سياسية ارتبطت وجودا وعدما بالاحتلال والمشاريع الخارجية، وهذه الأحزاب لا تمثل سنة ولا شيعة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة