الكاتب داخل نصوصه   
الأربعاء 26/8/1437 هـ - الموافق 1/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:22 (مكة المكرمة)، 10:22 (غرينتش)

أمير تاج السر

في كثير من الأعمال الروائية، سواء أكانت عربية أو أجنبية، وبشتى اللغات، تجد أن الكاتب جعل من الراوي -أو من شخص آخر داخل النص قريب من الراوي تنتقل إليه الحكاية في بعض الأحيان- كاتبا روائيا هو الآخر، إما منغمسا في كتابة نصه داخل الرواية التي نقرؤها أو كتب نصه بالفعل، ومضى، وتتم مناقشة هذا النص داخل العمل الذي نقرؤه.

لقد وجدت هذه الخاصية في بعض أعمال بول أوستر، وهاروكي موراكامي، وآخرين، واستخدمتها شخصيا في نصين أو ثلاثة، والآن أعيد قراءة "ظل الريح"، تلك الرواية الملحمية المشهورة للإسباني كارلوس زافون، الذي جعل ظل الريح هذه رواية لكاتب آخر، كتبها واختفى، وتتعقد أمور الأبطال حين ترتبط بمصائر عدة داخل تلك الرواية.

أعتقد أن هذه التقنية، أي كتابة أو رسم شخصيات مؤلفين داخل نصوص روائية وإتاحة الفرصة لهم ليتحدثوا، أو يرسموا أبطالهم وعوالمهم الخاصة، من التقنيات الجيدة فعلا، التي تم ابتكارها. وشخصيا لا أعرف من هو أول من كتب بهذه الطريقة، ولكن من المؤكد أن هذه التقنية تطورت كثيرا، وأصبح الآن بإمكان أي كاتب جيد، أن يكتب روايات عدة في رواية واحدة، ولا يحس القارئ -مهما كان واعيا- بأي استياء أو استخفاف من الكاتب، ولا يستطيع أن يجزم إن كان قد قرأ رواية واحدة أو مجموعة روايات.

عن طريق هذه التقنية، يستطيع الكاتب أيضا أن يمرر أفكاره كلها، تلك التي يؤمن بها حقا، وأراد أن يشاركه فيها آخرون، وتلك التي يتردد في الإيمان بها، أو يخاف أن يكتبها علانية ولكن يمكن أن يكتبها كاتب آخر متخيل داخل عمل يفترض أنه متخيل. مثلا أن يأتي بكاتب عنصري داخل النص ليكتب أفكار المؤلف.

كذلك لن يتدخل أحد -وأعني قارئا أو ناقدا- في مسألة السرد وقوته، أي لن يقول إن السرد أكبر من أفق الشخصية الساردة، وكان هناك من نبّه إلى ذلك في عمل لي، كان بطله متوسط التعليم، وأنني لم أجعل السرد في مستوى تعليمه، وكان هذا صحيحا، ولأفلت من تلك العقدة كان علي أن أجعل للقصة راويا عليما، لن يتعرف إليه أحد ولن يسأل من هو وما مستوى تعليمه، وسعة أفقه أو ضيقها؟ ولكن أعتقد -ورغم كل شيء- أن القصة تصل إلى القارئ الذي يساعدها على الوصول، مهما كان الطريق وعرا.

السؤال الذي يطرحه كثيرون حين يطالعون عملا يتحدث بصيغة الأنا، ويرويه كاتب ما:
هل تدخل مقاطع من حياة الكاتب الأصلي وسيرته الذاتية إلى عمل كهذا؟
وهل يكتب المؤلف أمنياته التي حققها والتي أخفق في تحقيقها، ويتخفى وراء كاتبه المتخيل؟

ربما يكون الأمر كذلك في كثير من الأحيان، فإضافة إلى تمرير الأفكار الذي ذكرته، يمكن أيضا كتابة سيرة لا يود الكاتب أن يتعرف إليها القراء بوصفها سيرته الشخصية، أو سيرة أحد قريب منه، ويهمه أمره، أو حتى سيرة الحي الذي نشأ فيه، والخيبات التي لازمته كثيرا.

المسألة في غاية البساطة، فلن يكون ثمة كاتب موجود في نص كتبه مؤلف حي، ولا تأتي سيرة المؤلف. ولعلي أبدأ بنفسي حين أقول صراحة إن الذي كتب "صائد اليرقات" داخل النص، مثلا، في تلك الرواية التي كتبتها منذ سنوات، كان الكاتب الحقيقي نفسه، وكثير من الأحداث داخلها -مثل انقلاب السيارة الأمنية التي كانت تراقب الطريق، وموت سائقها، وبتر ساق بطل القصة- كانت حقائق صادفتها أثناء حياتي، وكان من الممكن كتابتها داخل سيرة ذاتية، لكن ذلك لم يحدث.

من الأشياء الجيدة أيضا في هذه التقنية، جعل الكاتب الراوي أو الكاتب البطل، قارئا لكتاب آخرين، وعن طريق قراءته يمكن إبداء آرائه في عدد من الأعمال التي تذكر القصة أنه قرأها، وقد يمدح بعضها ويبدي استياءه من البعض الآخر، ويذكر ذلك صراحة، ولا يستطيع القارئ أن يجزم بأن هذه آراء الكاتب الحقيقي. مثلا قد لا يذكر في حوار معه أن باولو كويلو لا يعجبه، خوفا من استياء متابعي كويلو، ولكن يقول ذلك داخل نص، على لسان كاتبه البطل الذي هو قارئ لكويلو وغيره.

إذن النقد متاح أيضا في تقنية كهذه، وكلما ازدادت الكتابة عمقا وازدادت الشخصية ثراء، تعرف القارئ إلى سكك جيدة، ومداخل للقراءة قد لا يكون يعرفها.

سأتطرق قليلا إلى رواية "ظل الريح" للإسباني زافون، بوصفها من الأعمال التي تتعرض للكتابة، وتورد كتابا روائيا يحمل الاسم نفسه، وفيه سحر خاص، وشخصيات تخرج منه للواقع، وكانت الرواية قد حازت شهرة عريضة في العالم منذ سنوات، وترجمت لمعظم اللغات.

الرواية تبدو ملحمية، وفيها جوانب في غاية الجمال وجوانب أخرى عادية للغاية، ولا تبهر، وأظنني استغربت كثيرا من أن شخصيات عدة رسمت ببراعة وثراء شديد، تم إنهاء وجودها في النص مبكرا، ودخلت شخصيات أخرى رسمت جيدا وخرجت، قبل أن تكمل دورها.

هذه كتابة يحبها البعض بلا شك، وغالبا تلك التقنية تجدي في الأعمال الملحمية، فقط لواحد مثلي قد تبدو خللا كبيرا، لأنني أحب أن تبقى الشخصية المرسومة جيدا، تدلي بحيويتها وخمولها معا، داخل النص حتى ينتهي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة