وجع ذوي شهداء ونازحي غزة يسلبهم فرحة العيد   
الاثنين 1/10/1435 هـ - الموافق 28/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:57 (مكة المكرمة)، 10:57 (غرينتش)

محمد عمران-غزة

بدا الواقع وكأنه جزء من دراما مؤلمة لعائلة انقض عليها التشرد والدمار، فلم يعد رب البيت قادراً على تحديد المسار أو الخطوة القادمة، وهو يقف عاجزاً أمام أبنائه الذين يكررون سؤالهم، أين سنقضي العيد يا أبي؟

يرد الأب بكلمات متثاقلة "خليها على الله، إللي ربنا كاتبه بيصير"، فلا تعجب الإجابة الأبناء ويعيدون ذات السؤال مرة أخرى، فتكون الإجابة أوضح من خلال الأفعال لا الكلمات، إذ يصطحب أبناءه ويجلسون على الأرض في مساحة صغيرة بين طريقين أمام مسجد أهل السنة، حيث أدوا فيه صلاة عيد الفطر.

عندها تيقن أبناء الفلسطيني إبراهيم السميري (52 عاماً) أنهم لن يعودوا إلى بيتهم، الذي تعرض لأضرار كبيرة جراء قصف إسرائيلي لهدف قريب، كما أنه ما زال تحت نيران قوات الاحتلال التي توغلت في المنطقة قبل عشرة أيام.

من يقدم العيدية لأبناء الشهداء يوم العيد؟ (الجزيرة)

حوار مؤلم
وبينما اختصر الأب نهاية الحكاية مبكراً، بقراره عدم العودة إلى منزله المدمر أو مدرسة الإيواء التي لجأ إليها غرب خان يونس، وبقيت فيها زوجته واثنان من أبنائه، سيطر الحزن والوجوم على الأبناء، الذين انقلب العيد لديهم من مناسبة للفرح إلى يوم يكتظ بمعالم المعاناة والبؤس.

وظلت الجزيرة نت تتابع تفاصيل الحوار المؤلم بين الأب وأبنائه الذين لا يتجاوز أكبرهم 16 عاماً، وهم يوجهون سيلا من التساؤلات لوالدهم، الذي يمثل بالنسبة لهم كل شيء "لماذا نحرم من ملابس العيد؟ هل ستمر أيام العيد ونحن في الشارع والمدرسة؟ ألن نشترى الكعك كالأعياد السابقة؟".

وسرعان ما قاطعهم والدهم، وقربهم منه مخفياً دموعه في مآقيه، حاله كحال عشرات آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث شردوا من منازلهم قسراً في المناطق التي توغلت فيها قوات الاحتلال، خصوصاً المناطق الحدودية، ليمر عليهم عيد الفطر، في أجواء حزن وألم لم يتوقعوا حدوثه يوماً ما.

بيد أن المأساة الأكثر ألماً وجرحاً، كانت لدى من فقدوا أحباءهم شهداء، لتحرم الأمهات من قبلة على أياديهن من أبنائهن، ويبحث الأطفال عن حضن يلوذون به في مثل هذا اليوم فلا يجدونه، مثلما لن يحصلوا على العيدية التي اعتادوا على شراء ألعابهم منها.

مظاهر العيد اقتصرت على
أداء الصلوات بالمساجد (الجزيرة)

من لأبناء الشهداء؟
وفي منزل عفاف الصوالحة (41 عاماً) لم يبدد العيد شيئاً من حالة الحزن الذي حط رحاله لدى عائلتها منذ استشهد زوجها إسماعيل واثنين من أبنائها في غارة إسرائيلية، بل إن هذه المناسبة جاءت لتنكأ جرحها الغائر، وهي تشاهد ستة من أبنائها، لا يجدون من يصطحبهم معه لزيارة الأقارب أو حتى شراء الحلوى وبعض الألعاب.

ورغم محاولاتها المتكررة لإخفاء دموعها أمام صغارها، فإن عفاف سرعان من انهارت من البكاء وهي تتحدث للجزيرة نت، عن أجواء الأعياد في حضور زوجها، وكيف تحولت الساعات الأولى لهذا العيد بعد استشهاده، إلى أوقات لا تسمع فيها إلا كلمات تحثها على الصبر وتحمل المسؤولية، من الذين يزورنها في بيتها أو أولئك الذين يتصلون بها عبر الهاتف.

وأوضحت أنها تمر بأصعب لحظات حياتها، فشريك عمرها غادر الدنيا بلا عودة، مع ابنيها أحمد ومحمود، لتشعر أنها وحيدة من دون سند أو معين إلا الله.

وتساءلت عفاف وهي تحتضن أبناءها "كيف سأعوض أطفالي عن أبيهم في يوم العيد؟ مع من سيلعبون؟ وعندما يسألونني لماذا لم نشتر ملابس جديدة، ماذا سأجيب؟".

ولم يوقف حديث الزوجة إلا بكاؤها الشديد، عندما علا صوت عبد الرحمن -أصغر أبنائها- "بابا بابا" لتشيح بوجهها جانباً وتغادرنا، تاركة وراءها أسئلة بلا أجوبة، في انتظار من يكفكف دموعها ودموع أبنائها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة