غزة تسمم العلاقات التركية الإسرائيلية   
الجمعة 1430/11/5 هـ - الموافق 23/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 12:41 (مكة المكرمة)، 9:41 (غرينتش)

مظاهرات لأتراك يحملون لافتات كتب عليها "كل تعامل مع إسرائيل يعتبر جريمة" (الفرنسية)

لا شك أن الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة خلال الشتاء الماضي قد أضرت بسمعتها وبمصالحها عبر العالم بشكل بالغ, لكن لم يتضح بعد ما إذا كان المسؤولون الإسرائيليون قد أدركوا الحجم الحقيقي لذلك, ولذا فهم مثلا يسعون جاهدين للحصول على تفسيرات أخرى لتدهور علاقاتهم مع تركيا.

ويبدو حسب محرر الشؤون الخارجية لصحيفة غارديان سايمون تيسدال أن القادة الإسرائيليين لا يرون أفعالهم كما يراها الآخرون، وهو ما يمكن أن يفسر جزئيا عمق الغضب الذي قابلوا به تقرير ريتشارد غولدستون.

ولهذا فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبدى دهشة واستغرابا لنتائج تحقيق مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي تضمنها ما أصبح يعرف بـ تقرير غولدستون, وخاصة ما تعلق منه بالتحقيق في المسؤولية الفردية لبعض الإسرائيليين في احتمال أن يكونوا قد ارتكبوا جرائم حرب خلال تلك الحرب.

والمفارقة التي كشفها هذا التقرير، أن ما يراه نتنياهو وسلفه إيهود أولمرت وزعيمة المعارضة تسيبي ليفني ووزير الدفاع يهود باراك وصقور اليمين من أمثال وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان عملا مبررا للدفاع عن النفس في مواجهة الهجمات الصاروخية الفلسطينية "الهمجية" يراه جل العالم اعتداءً مفرطا ومروعا على مدنيين فلسطينيين عزل.

ولا شك أن مثل هذا يسلط الضوء على قضايا أخرى حساسة كتجاهل أسلحة إسرائيل النووية غير المعلنة "ومسابقة الوقت" لحرمان إيران من "حقوقها" النووية.

هل ولى زمن الحميمية في العلاقات الإسرائيلية التركية (الفرنسية-أرشيف)
وقد حدث الأسبوع الماضي تطور مفاجئ, حين أعلنت تركيا إلغاء مشاركتها في مناورات عسكرية رائدة يشارك فيها إلى جانب إسرائيل أعضاء حلف شمال الأطلسي, الأمر الذي أرادت أنقرة من ورائه التعبير عن استمرار استيائها مما حدث بغزة.

وقد كانت إسرائيل تنظر إلى تركيا بوصفها حليفها الأهم والأكثر تأثيرا في الشرق الأوسط، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين ثلاثة مليارات دولار العام الماضي وشمل شراء أنقرة أسلحة إسرائيلية.

وقبل حرب غزة كانت تركيا تلعب دور الوسيط بين تل أبيب وعدوها القديم سوريا، كما وفرت جسرا بين إسرائيل ودول عربية خليجية.

واعترافا منهم بقيمة تركيا، حاول بعض السياسيين الإسرائيليين التقليل من شأن الخلاف أملا في إعادة الأمور إلى مجراها, لكن سياسيين آخرين حاولوا إعطاء تفسيرات مغايرة للسلوك التركي رافضين ربط غضب أنقرة بقضية غزة.

يقول المعلق الصحفي عمير أورن "رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يعمل على تحقيق مصالحة على نطاق واسع مع أعداء تركيا التقليديين كالأرمن والسوريين واليونانيين والأكراد، وإسرائيل في هذه الحالة عبء وليست ورقة رابحة".

وحسب تفسيرات أخرى, فإن أردوغان قد فرض إرادته على الجيش التركي الذي لم يكن ليقبل في الماضي الإذعان لأمره في إلغاء هذه المناورات.

أما الخبير بالشؤون التركية في جامعة تل أبيب أوفرا بانجيو فقد أكد لصحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأميركية أن حسابات تركيا السياسية خارجيا وداخليا قد تغيرت في ضوء تعزيز علاقتها مع العراق وسوريا والدول العربية الأخرى المهمة، كما أن أنقرة بدأت تصرف النظر عن محاولات الانضمام إلى اتحاد أوروبي لا يرغب فيها, وهذا التوجه لا تلعب فيه إسرائيل دورا مركزيا.

بل إن أحد مسؤولي الخارجية الإسرائيلية تحدث بنبرة أكثر تشاؤما لصحيفة هآرتس الإسرائيلية, حين قال بعد مشاركته باجتماع طارئ لمناقشة الأزمة التركية "الواقع ربما تغير وربما أصبحت علاقتنا الإستراتيجية بتركيا في مهب الريح".

وهذا يعني أن هذه العلاقة المهمة لكثير من الأسباب ربما أصبحت شيئا من الماضي.

فالأتراك لا يتظاهرون بالغضب وإنما هم بالفعل منزعجون من الذي حدث في غزة، وقد أجج مسلسل تلفزيوني يبثه التلفزيون التركي هذه الأيام ويصف كيف تتم المصادمات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، التوتر الحاصل في علاقة البلدين.

غير أن من بين السياسيين الإسرائيليين من لا يزال ينكر عن نفسه هذه الحقيقة ويقول إن حرب غزة كانت مبررة ولا يمكن أن تكون السبب الحقيقي للخلاف الحالي, وهنا بدأت محاولة تبرير وجود دوافع خفية للغضب التركي، وهو ما فتح الباب أمام أصناف كثيرة من التفسيرات المعقدة, لكن من يقطن عالما آخر لا يمكنه أن يفهم واقع هذا العالم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة