هل يبكي "القيصر" العربي؟   
الأربعاء 1437/2/7 هـ - الموافق 18/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 18:23 (مكة المكرمة)، 15:23 (غرينتش)

إبراهيم صموئيل*

تساق حكاية العلاقة الشهيرة بين القيصر الروسي ورائعة دوستويفسكي "ذكريات من منزل الأموات" لغايات وأسباب متعددة، منها أثر الأدب والثقافة على الحياة العامة، بما في ذلك حكام الدول أنفسهم حتى ولو كانوا من الأباطرة أو القياصرة الذين عرفوا بسلطاتهم المطلقة، وهيمنتهم إلى حد تشبّههم بالآلهة.

رواية دوستويفسكي هذه كان قد كتبها -كما هو معروف- من تجربة نفيه لسيبيريا، ومعاناته المريرة هناك، ومعايشته السجناء والمنفيين، وتعرّفه عن كثب على ما يجرح أرواحهم، ويدمي أجسادهم من العذاب المبرح الذي يقاسونه جراء ربط أقدامهم بأثقال على شكل كرات حديدية يضطرون لجرها كلما مشوا وكيفما تحركوا.

وأحسب أن كاتبنا لم يكن يعتقد وهو ينجز روايته هذه أنها ستفعل ما فعلته، فتغيّر على نحو عملي فعلي ما غيّرته من أحوالهم، وترفع عنهم أحد أكبر أساليب التعذيب التي يعانونها، حين تشاء الأقدار والمصادفات فيقرأ القيصر الروسي الرواية، وينتابه شيء من الحزن أو الكرب أو التعاطف أو الشفقة -أو أي مسمى كان- فيصدر قرارا يمنع فيه شدّ أقدام السجناء بالكرات الحديدية الثقيلة، وذلك بعد أن بكى -على ذمة الدروبي- تأثرا بالآلام والعذابات التي جاء وصفها في رواية دوستويفسكي.

دموع الطغاة
إذن، ليس من شطح الخيال أن يحدث فيقرأ قيصر أو إمبراطور أو طاغية رواية، وليس من شطط الخيال، أيضا، أن يتأثر ويبكي؛ فالقادة والزعماء الحكام بشر -كما يفترض- والناس المحكومون بشر أيضا، والعمل الأدبي -خاصة في المستوى الرفيع المتبصر- لا بد أن يترك أثره مهما كان موقع قارئه.

تاريخ الطغاة في العالم يروي أن البعض القليل منهم رقت قلوبهم أو انتابهم شيء من أسى وحزن، أو لنقل انطلت عليهم -في أسوأ الأحوال- أكاذيب وألاعيب وتخيلات الكتاب والأدباء، فلان الطغاة على نحو ما

يروي تاريخ الطغاة في العالم أن البعض القليل منهم رقت قلوبهم أو انتابهم شيء من أسى وحزن، أو لنقل انطلت عليهم -في أسوأ الأحوال- أكاذيب وألاعيب وتخيلات الكتاب والأدباء، فلان الطغاة على نحو ما، أو خففوا من التسلط درجة ما، أو "انخدعوا" بالعواطف التي تحدثت عنها الروايات والقصص فأفرغوا السجون من نزلائها، وسمحوا للمنفيين بالعودة إلى بلدانهم، وحدوا من إرهاب عسسهم المنفلت من كل عقال أو ضابط.

والآن، بكى القيصر الروسي فعلا أم لم يبك، فإن المصادر الأدبية الروسية تؤكد أن إلغاء ربط الأثقال بأرجل السجناء جاء بتأثير مباشر من رواية دوستويفسكي، وعلى الأدق من قراءة القيصر لها وتأثره بما جاء فيها. ولا شك أن المنفيين في سيبيريا شعروا بعد تطبيق القرار بنقلة كبيرة في تحسن أوضاعهم، وبدرجة أخف لوطأة سنوات السجن عليهم.

ولنا أن نتصور أن دوستويفسكي -أو أي كاتب آخر مكانه- ما كان له إلا أن يفعم بالغبطة جراء صدور قرار كهذا من حاكم بلاده المستبد، وما كان لروحه إلا أن تزداد يقينا على يقين بجدوى الأدب ودوره وتأثيره، ليس في حياة ومسلك أبناء مجتمعه فحسب، بل وحتى في موقف وسلوك القيصر ذاته، على ما له من جبروت.

طبائع الاستبداد
لا يستطيع المرء وهو يستعيد هذه الواقعة، إلا أن يستدعي حال الثقافة العربية الغنية، المتنوعة، وغزيرة الإنتاج، ومدى اهتمام الحاكم العربي الفرد بها، واطلاعه على منجزاتها من فنون وآداب وفكر، ومدى تأثره -تاليا- بما تناولته وكشفت عنه وأشارت إليه من مظالم وهضم حقوق الناس، وتعد على كرامتهم وامتهان إنسانيتهم وإفقار حالهم وتهجير عائلاتهم، وما إلى ذلك من كوارث.

أتكون العلة في المنجز الثقافي العربي على غزارته وتنوعه وعلوه، أم في تكوين الأنظمة السياسية التي تعاقبت على مجتمعاتنا، أم في بنية العقل العربي -كما يذهب البعض- وتركيبة مجتمعاتنا العربية؟

وربطا بموضوعنا، لا بد من النظر إلى الأعمال الأدبية العربية بكل أجناسها، والفكرية بكل اتجاهاتها، والأعمال الفنية على تنوعها، التي تطرقت إلى أحوال السجون والمعتقلات، وأوضاع السجناء فيها، من "طبائع الاستبداد" مرورا بـ" شرق المتوسط" و"الآن.. هنا"، ووصولا إلى أحدث ما كتب عن السجون، ثم التساؤل عما خلفته تلك الجهود الكبيرة لدى أحد الطغاة العرب، أو أثرت به، أو غيرت منه، أو بدلت من بؤس وقهر أحواله؟   

لعل أشد ما في حياة الكتاب العرب بؤسا -على تنوع حقول كتاباتهم- هو شعورهم العميق والدفين بانعدام التأثير الملحوظ، الفعال، المغيّر لما يكتبون، سواء في أوضاع مجتمعاتهم، أو في أحوال بلدانهم ومصائرها، أو في تركيبة الأنظمة الحاكمة وطبائعها.

وقد ترسخ هذا الشعور لديهم إلى درجة بدا أن الكتابة هي للكتابة، وأن الفن هو للفن، وأن الفكر هو للفكر، أي أن منجز الثقافة والإبداع في واد، وواقع بلدانهم من التغير والتطور والازدهار في واد آخر.

أتكون العلة في المنجز الثقافي العربي على غزارته وتنوعه وعلوه، أم في تكوين الأنظمة السياسية التي تعاقبت على مجتمعاتنا، أم في بنية العقل العربي -كما يذهب البعض- وتركيبة مجتمعاتنا العربية، أم هي في أقدار خصت هذه البقعة وشعوبها بما لم تخص غيرها من البقاع والشعوب؟!

وما يلح على معاودة طرح التساؤلات السابقة هذا التلازم بين النمو المطرد لمنجز الثقافة العربية، والتدهور المتواصل للأحوال العربية، على مرور الزمن.
_______________ 

* كاتب وقاص سوري 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة