العلماء في شراك موجات الجاذبية   
الثلاثاء 10/4/1437 هـ - الموافق 19/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:15 (مكة المكرمة)، 10:15 (غرينتش)

الصغير الغربي

في ذكرى مرور قرن من الزمن على نشر العالم ألبرت آينشتاين نظريته الشهيرة "النسبية العامة"، سرت لدى العلماء والباحثين والمؤسسات العلمية في مجال الفيزياء والفلك حمى من نوع خاص للكشف عن موجات الجاذبية التي تنبأ بها أينشتاين بعد وقت قصير من إعلان نظريته. وقد أدى هذا السعي المحموم، مدفوعا بإدراك العلماء لأهمية رصد هذه الموجات، إلى الإعلان عن اكتشافها أكثر من مرة دون أن يكون ذلك صحيحا. فما هي موجات الجاذبية؟ ولماذا تأخرت عملية رصدها إلى اليوم؟

غيرت نظرية "النسبية العامة" عندما نشرت سنة 1916 العديد من المفاهيم في الفيزياء، فأضافت الزمن إلى أبعاد الفضاء الثلاثة لتؤسس لفضاء الزمكان. كما تنبأت بوجود تشوهات في نسيج الفضاء الزمكاني تنتشر عبر الكون بسرعة الضوء وتسمى موجات الجاذبية، وهي التي يأمل العلماء في إمكانية رصدها.

وتقول النظرية إن هذه الانحناءات أو التشوهات في الكون تحدثها الأجرام السماوية ذات الكتل الكبيرة كالكواكب والنجوم والمجرات، وتنتشر مثلها مثل التموجات التي تظهر على سطح بركة من الماء عند رمي حصى فيها. وفي هذه الحالة تتناسب سعة التموجات المنتشرة وتردداتها مع حجم الحصى. ويحدث نفس الشيء لموجات الجاذبية التي تتناسب بدورها مع كتلة الجرم السماوي الذي يتسبب فيها.

ومن الناحية النظرية، كل جسم له كتلة حتى وإن كانت صغيرة يولد موجة جاذبية خاصة به، لكن سعتها تكون من الضآلة بحيث يصعب أو يستحيل رصدها. لكن بعض الظواهر العنيفة التي تحدث في أرجاء الكون كانفجارات النجوم والأنظمة النجمية الثنائية التي تضم نجوما نيترونية أو ثقوبا سوداء وتدور بسرعة فائقة يمكن أن تولد موجات جاذبية يمكن رصدها. إضافة إلى ذلك يعتقد العلماء أن هناك موجات جاذبية قديمة تتردد في الكون نتيجة لطور التوسع السريع الذي حدث في الكون في اللحظات الأولى من ولادته.

 صورة تظهر تقلبات الحرارة في موجات دقيقة كونية في قطاع صغير من السماء يعتقد العلماء أن سببها موجات الجاذبية (الأوروبية)

رصد غير مباشر
لكن عملية رصد هذه الموجات لم تكن بالأمر الهين، ومثلت تحديا هاما للعلماء طيلة القرن العشرين. وكانت أولى المحاولات الناجحة للكشف عن وجود موجات الجاذبية باستعمال طرق غير مباشرة في العام 1974 عندما قام عالما الفلك راسل هالس وجوزيف تايلور بدراسة نجم ثنائي (أو زوج من النجوم يدوران حول بعضهما) مكون من نجم نابض تنبعث منه نبضات من الموجات الراديوية ونجم نيتروني.

ولاحظ العالمان أن النجم النابض كان يفقد الطاقة ببطء وأن النجمين يقتربان أحدهما من الآخر بالطريقة التي كانت متفقة تماما مع معادلات أينشتاين في النسبية العامة. واستخلص الباحثان أن الطاقة المفقودة تنبعث على هيئة موجات جاذبية. وقد حصل العالمان بعد هذا الاكتشاف على جائزة نوبل في الفيزياء في العام 1993.

يعتمد العلماء على القمر الصناعي ليزا باثفايندر لاكتشاف موجات الجاذبية (الأوروبية)

محاولات الرصد المباشر
غير أن هذا الاكتشاف على أهميته لم يشف غليل العلماء، فالأمر كان شبيها بالنسبة لهم برحلة صيد عثر فيها على أثر أقدام الطريدة دون رؤيتها بنفسها. وهو ما دفع إلى التفكير بإنشاء مراصد لرصد موجات الجاذبية مباشرة، كان أهمها مرصد ليغو الأميركي الذي أنشئ عام 1992، ومرصد فيرغو الأوروبي الذي بني في السنة الموالية قرب مدينة بيزا بإيطاليا.

ويعمل المرصدان منذ ذلك الوقت على قياس انحناءات أو تشوهات الفضاء الزمكاني بسبب موجات الجاذبية. وهذه الانحناءات ضئيلة للغاية، وهي عبارة عن تغير في مسافة بطول متر واحد لا يتعدى نسبة الواحد على ألف مليار مليار من المتر، وسيعمل فيرفو وليغو على قياس هذا الفارق الضئيل جدا.

ويعتمد المرصدان على تقنية تسمى قياس التداخل في عملية رصد الموجات تقوم على فصل حزمة ضوء ليزري إلى جزأين ليتخذا مسارا تعامديا داخل أذرع مقياس التداخل، وسيقطع كل جزء ثلاثة كيلومترات (أربعة بالنسبة لليغو) قبل أن تعكسهما مرآة نصف عاكسة مرات عديدة. وفي الأخير يدمج الجزآن من حزمة الضوء من جديد ليشكلا معا "صورة تداخل" تكون أبعادها متناسبة مع طول ذراع المقياس. وسترصد موجة الجاذبية عندما تدخل اضطرابا على مسار الضوء داخل أذرع المرصد.

غير أن كلا المرصدين لم يتوصل إلى رصد موجات الجاذبية، ذلك أن الإشارة التي يأمل العلماء في التقاطها ضئيلة للغاية، ويمكن أن تضيع وسط إشارات أقوى منها متأتية من مصادر كثيرة كالموجات الزلزالية وتلك الناتجة عن العوامل الجوية أو الأنشطة البشرية.

لكن ذلك لم يؤثر في قناعة العلماء التامة بوجود هذه الموجات ولم يفل من عزيمتهم في السعي لرصدها. فتم تطوير المرصدين من خلال تحديثهما وجعلهما أكثر دقة بعشر مرات من السابق. وقد انطلق المرصد الأميركي في حلته الجديدة في سبتمبر/أيلول الماضي بعد أن أطلق عليه اسم "أدفانسد ليغو". وسينضم إليه نظيره الأوروبي "أدفانسد فيرغو" في هذه المهمة خلال الربيع القادم.

لكن المرصدين لن يتمكنا من رصد موجات الجاذبية المتأتية من جميع المصادر، خاصة تلك المنبعثة من الثقوب السوداء ذات الكتلة الكبيرة جدا. فهذه الموجات سيكون ترددها دون الهرتز الواحد وبالتالي ستضيع في وسط الضجيج الناتج عن الموجات الزلزالية.

ولتجاوز هذه العقبة يتم العمل حاليا على مشروع مرصد فضائي لكشف موجات الجاذبية يسمى ليزا، يتألف من ثلاثة أقمار صناعية وسيعمل بنفس مبدأ عمل فيرغو وليغو، لكن طول الأذرع سيكون ملايين الكيلومترات، ومن المنتظر أن يرى هذا المشروع النور في أفق 2030، لكن قبل ذلك سيتم تجربة هذه التقنية بواسطة القمر الصناعي ليزا باثفايندر الذي أطلق في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

إذا استطاع علماء الفيزياء الكونية رصد موجات الجاذبية فإنها ستوفر لهم منجما ثريا من المعلومات حول الكون لا يمكن الحصول عليها بالوسائل المعتمدة حاليا

نافذة جديدة
لكن لماذا هذا الإصرار من جانب العلماء لرصد هذه الموجات؟ لا يخفي العلماء أنهم وإن كانوا مقتنعين بنظرية النسبية العامة فإنه عليها اجتياز هذا الاختبار الأخير والنجاح فيه. كما أن هذا النجاح سيفتح نافذة جديدة لدراسة الكون من خلال علم فلك الجاذبية.

فهذه الموجات تنتشر عبر الكون بسرعة الضوء. وبما أن تفاعلها مع المادة يكاد يكون منعدما فإنها تصل إلى الأرض دون أن يطرأ على أحد خواصها أي تغيير، وإذا ما استطاع علماء الفيزياء الكونية رصدها فإنها ستوفر لهم منجما ثريا من المعلومات حول الكون لا يمكن الحصول عليها بالوسائل المعتمدة حاليا.

كما أنه بإمكانها أن توفر معلومات عن اللحظات الأولى للكون بما أن الموجات التي ولدها الانفجار الأعظم -الذي يعتقد العلماء أنه وراء نشوء الكون- ما زال -نظريا- بالإمكان رصدها.


________________
* إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة