موسم الأخوّة.. مسعى لتضميد الجراح بموريتانيا   
الاثنين 5/7/1437 هـ - الموافق 11/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

أحمد الأمين-نواكشوط

في جلسة عائلية بدت أسرتا ميمونة جالو من عرقية "البولار" ومريم منت أحمد من عرقية "البظان" منسجمتين، بعدما أمضت السيدتان الجارتان ردحا من الزمن لا تتقاسمان أي مشترك بسبب انتمائهما إلى عرقيتين مختلفتين في موريتانيا، وكادت الأحداث العرقية أن تعصف بتعايشهما وانسجامهما في ثمانينيات القرن الماضي.

أسرتا ميمونة ومريم نموذج "لأسر المؤاخاة" في جمعية "يدا بيد" غير الحكومية الناشطة في المجال الاجتماعي، والتي تعمل على تعزيز التواصل بين مكونات المجتمع الموريتاني، وتجاوز الإحن التي خلفتها تلك الأحداث.

بكثير من الحنو تتحدث ميمونة للجزيرة نت عن علاقتها بمريم، فهي "أكثر من أخت.. شاركتني أفراحي ولحظات حزني، ويوم تعرضت أسرتي لحادث سير مؤلم عام 2014 واستني ووقفت إلى جانبي، واعتنت بأمي وإخوتي وظلت إلى جانبهم في المستشفى أكثر مني".

جانب من مسيرة "يدا بيد" من أجل الإخاء في نواكشوط (الجزيرة)

التنوع والثراء
مؤاخاة الأسرتين انعكست على أفرادهما حسبما تقول مريم، "فنحن نتبادل الزيارات ونحرص على التواصل، وحين تكون لدى إحدانا مناسبة تجد الأخرى إلى جانبها، وقد حرصنا على أن ننقل هذه المشاعر إلى أطفالنا، فأصبحت بناتنا يتعاملن وكأننا أخوات نسب".

واختارت الجمعية شعار "جيل الأخوة" لموسمها الثالث الذي اختتم مساء الأحد، فجاءت الندوات الفكرية والأمسيات الفنية والثقافية تكريسا لذلك، وتم نقاش تجارب اعتبرت ناجحة في مجال التآخي. كما شكل الموسم مناسبة للشباب المشارك ليتعايش ويناقش ويتبادل التجارب والمعارف في هذا المجال.

وكانت مسيرة الأحد التي اختتمت الموسم تعبيرا واضحا عن شعاره، حيث تقدمها أطفال يمثلون مكونات المجتمع الموريتاني، رافعين لافتات تدعو إلى التآخي وتؤكد أن التنوع يشكل ثراء للبلد لا سببا للاختلاف والتمزق.

وتتبنى الجمعية أساليب متنوعة تقوم على التواصل وتنمية المشترك، وتعتمد المؤاخاة بين أسر الزنوج والعرب، لتتجاوز ما خلفته "سنوات الجمر" كما سماها أمينها العام عبد الله صار في حديث للجزيرة نت.

عبد الله صار: تجاوز الأحداث المؤلمة يتطلب التواصل بين مكونات الشعب (الجزيرة)

قيمة التواصل
عبد الله صار الذي خرج من بيته ذات يوم من عام 1989 إلى قسمه الدراسي فعاد ليجد أمه وأخته قد ألقيتا خارج الحدود واعتبرتا أجنبيتين، يقول إن "تجاوز تلك الأحداث المؤلمة يتطلب التواصل بين مكونات الشعب الموريتاني وتعزيز قيم المؤاخاة والتكاتف، وهذا ما نسعى لتحقيقه من خلال الجمعية".

ويضيف "رغم المرارات فنحن لا نتحدث عن الماضي لننكأ الجراح أو لنعيش أسرى تلك الآلام، وإنما نركز حديثنا على البناء ونعمل على تنمية القواسم المشتركة، وهذا ما جعلنا نلقى تجاوبا من مكونات مجتمعنا".

عبد الله خريج الفلسفة الذي يضمد جراح الآخرين اليوم، يدرك تماما أن علاج تلك الآثار السلبية يتطلب جهدا جماعيا يؤدي المجتمع المدني فيه دورا كبيرا نظرا لتنوع نشطائه وطبيعة عمله الجماعي.

ويؤكد الخبير الاجتماعي سيد ولد بيادة ما ذهب إليه عبد الله صار، فالمجتمع المدني "بحكم تنوع تشكيله وقربه من الناس وقدرته على التواصل، يعتبر أكثر قدرة على التعاطي مع هذا النوع من القضايا".

ويضيف بيادة في حديث للجزيرة نت أن "المجتمع المدني حالة وعي متقدمة، وهو يتشكل من مختلف مكونات الشعب وفئاته وشرائحه، ومن ثم فإنه مؤهل أكثر للتفاعل مع هذه المكونات، وأكثر قدرة على الوصول إليها والنقاش معها، مما يعني أن هذا النوع من النشاطات له تأثير كبير وفعال".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة