رياك مشار.. مهندس التمرد والانشقاق   
الأربعاء 1435/3/1 هـ - الموافق 1/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 23:35 (مكة المكرمة)، 20:35 (غرينتش)
رياك مشار أحد أهم صانعي السياسة والصراعات المسلحة في جنوب السودان قبل الانفصال وبعده (الأوروبية-أرشيف)
 
علي صبري
 
لم يكن دخول رياك مشار في صراع سياسي دموي مع رئيس جنوب السودان المعركة الأولى له في رحلة حياته السياسية، وربما لن تكون الأخيرة، فالرجل عرف بشغبه السياسي وتمرده العسكري منذ انضمامه إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان.

أحدث معارك المهندس القوي في سياسة جنوب السودان مشار اندلعت مع رئيس حركته ودولته الوليدة سلفاكير ميارديت بعد وقوع اشتباك مسلح في مقر حرس الرئاسة، واتهام الرئيس لنائبه مشار بمحاولة الانقلاب العسكري، وهو ما نفاه النائب واعتبره "فكرة سخيفة".

وكانت الأنباء تواترت قبل عشرة أيام من وقوع "الانقلاب" أو القتال بين الجانبين، أن مشار وآخرين وجهوا انتقادات واسعة لسلفاكير "باحتكار السلطات وممارسة الدكتاتورية في الحكم". وربما مهدت هذه الأجواء غير الإيجابية بين الرجلين إلى اندلاع الصراع الأحدث في ساحة الجنوب.

منذ انفصال جنوب السودان عن السودان الكبير، توقع المراقبون عدم استقرار الدولة الوليدة من رحم حرب امتدت نصف قرن مع الشمال، بسبب التركيبة القبلية غير المتجانسة في مجتمع الجنوب الذي ينتشر فيه السلاح بوفرة، وانقسام قياداته بين كبرى قبائل الجنوب الدينكا التي ينتمي إليها الرئيس، والنوير التي ينحدر منها نائبه مشار.

ولا يبدو أن قبيلة الدينكا تجاوزت اتهامها القديم لمشار بالوقوف وراء مذبحة بور التي قتل فيها قرابة ألفين من الدينكا معظمهم مدنيون عام 1991، بالإضافة إلى موت عشرات الآلاف بسبب المجاعة التي ضربت المنطقة في تلك الفترة.

ومن المفارقات أن سلفاكير اتهم مشار قبل عام -حين كان الأخير في نيويورك- بالترتيب لمحاولة انقلابية، لتعود التهمة المثيرة للجدل ذاتها مادة للتداول بعد عام.
 
رحلة صراعات
الرئيس سلفاكير يتهم نائبه مشار
بمحاولة الانقلاب عليه
(الفرنسية-أرشيف)
يحتفظ مشار بسجل حافل من الانشقاق والتحالف وإعادة التحالف والانقلاب مع رفاقه وخصومه على حد سواء، فقد انشق عن الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991، وأسس مع بعض المنشقين على قرنق ما عرف بمجموعة الناصر (نسبة إلى مدينة الناصر في جبال النوبة). كما أسس الحركة الموحدة عام 1992، ثم حركة استقلال جنوب السودان عام 1995.

وقاد مشار عملية تفاوض مع حكومة عمر البشير آلت إلى ما عرف باتفاقية الخرطوم للسلام 1997. وقد وقعت هذه الاتفاقية أربعة فصائل جنوبية تعرف بمجموعة الناصر التي تم التنسيق بينها، وأسفرت عن إنشاء مجلس تنسيق الولايات الجنوبية الذي عين مشار رئيسا له. وفي فبراير/شباط 2000 استقال مشار من مناصبه الحكومية متهما الخرطوم بإرسال قوات لمحاربة مقاتليه في الجنوب.

وأعلن مشار يوم 28 مايو/أيار 2001 عودته إلى صفوف التمرد بعد قطيعة دامت تسع سنوات مع حليفه السابق جون قرنق، وحل نتيجة هذا الإجراء تنظيم الجبهة الديمقراطية لشعوب السودان ليؤسس تنظيما جديدا باسم الجبهة الشعبية السودانية للديمقراطية، ومنضما إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان.

وسعت دول -على رأسها أميركا- ومنظمات غير حكومية مع مطلع هذا القرن إلى مساندة ورعاية عقد اتفاق بين قرنق ومشار وإزالة كل أسباب سوء التفاهم بين قبيلتيهما الدينكا والنوير، تمهيدا لبناء جبهة جنوبية ذات قاعدة عريضة ولها أذرع عسكرية وسياسية، بهدف محاصرة أقوى مؤيدي الحكومة في المنطقة وهو اللواء فاولينو ماتيب (من قبيلة النوير) ذو النفوذ القوي في ولاية الوحدة التي يوجد بها أكبر احتياطي نفطي في السودان.

مشار وعلي عثمان طه نائب الرئيس السوداني (الفرنسية-أرشيف)
مرحلة الدولة
وفي مسيرة التفاوض مع الخرطوم لتسوية الصراع الطويل، كان مشار يصر على الانفصال الكامل عن جمهورية السودان، ولذلك أعلن تحفظه على المبادرة المصرية الليبية بشأن حل قضية جنوب السودان المقدمة عام 1999 والتي تنص على ضرورة المحافظة على وحدة السودان، ومال إلى مبادرة السلام التي قدمتها الإيغاد، متهما مصر وليبيا بمحاولة إفشال هذه المبادرة الأفريقية التي تدعمها الولايات المتحدة.

وحين تم لمشار والحركة الشعبية ما أرادوه بانفصال الجنوب -الذي يشكل قرابة ثلث السودان- في يوليو/تموز 2011، شغل مشار منصب نائب رئيس جمهورية جنوب السودان، إلى أن اندلع القتال بين الرئيس ونائبه، وهو ما أخذ بعدا قبليا وتوسع ليشمل كبرى القبائل الدينكا والنوير.

رياك مشار (61 عاما) تخرج من كلية الهندسة بجامعة الخرطوم وحصل على الدكتوراه في الهندسة الصناعية والتخطيط الإستراتيجي عام 1984 من بريطانيا، قبل أن ينضم إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان بعدما اندلعت الموجة الثانية من الصراع المسلح بين الحركة والنظام السوداني التي امتدت من 1983 إلى 2005.

تزوج مشار من فتاة بريطانية كانت تعمل في أعمال الإغاثة، لكنها توفيت في حادث سيارة في نيروبي عام 1993 عن 29 عاما، وتزوج بعدها أنجيلينا تيني التي تعد واحدة من أقوى القيادات النسائية في الجنوب.

ومثّل رياك بلده الوليد يوم 15 يوليو/تموز 2011 في الأمم المتحدة، عندما أعلن دولة مستقلة ورفع علمه على مبنى المنظمة الدولية.
 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة