براءة مُصدري غاز مصر.. الحكم قبل المُداولة   
الاثنين 1436/5/5 هـ - الموافق 23/2/2015 م (آخر تحديث) الساعة 11:11 (مكة المكرمة)، 8:11 (غرينتش)

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

قد لا ينقص المشهد السياسي المصري سوى اعتذار شعبي للرئيس المخلوع حسني مبارك على الثورة ضده، فبعد البراءة الأخيرة لرجال مبارك من تهمة تصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل بأسعار متدنية وقبلها البراءة من قتل المتظاهرين، لم يبق للمصريين على ما يبدو سوى هذا الاعتذار.
 
فقبل أيام، قضت محكمة مصرية بتبرئة وزير البترول سامح فهمي في عهد مبارك وخمسة من قيادات الوزارة من تهمة بيع الغاز الطبيعي لإسرائيل بأسعار متدنية والإضرار بالمال العام.
 
وكان القضاء برأ مبارك في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي من التهمة نفسها، واستند الحكم إلى تقرير لجنة فنية -أمرت المحكمة بتشكيلها من خبراء نفط- خلص إلى أن الثمن الوارد بالاتفاقية يتماشى مع الثمن الحقيقي. 

تزاحم معتاد للمواطنين أمام منافذ بيع الغاز المخصص للاستعمال المنزلي (الجزيرة)

الاتفاقية 
وكانت مصر وقعت عام 2005 اتفاقية تقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا لإسرائيل لمدة عشرين عاماً مقابل سبعين سنتاً للمليون وحدة حرارية، بينما كان سعر التكلفة حينها 2.65 دولار.
 
وحصلت الشركة الإسرائيلية المستوردة للغاز المصري على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية لمدة ثلاث سنوات من عام 2005 إلى 2008، رغم معاناة المصريين من عدم توفر الغاز لهم.
 
وبعد اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، دأب مجهولون على تفجير خط أنابيب الغاز المؤدي إلى إسرائيل عدة مرات، وعام 2012 ألغت مصر اتفاقية تصدير الغاز، واتُهم مبارك ووزراء ورجل الأعمال حسين سالم ببيع الغاز بثمن بخس وإهدار المال العام.
 
وكان حكم قضائي "ابتدائي" صدر عام 2012 بالسجن بمدد تتراوح بين ثلاثة و15عاما بحق مسؤولي وزارة البترول، والسجن غيابيا 15عاما بحق صديق مبارك، رجل الأعمال حسين سالم المتورط في الاتفاقية، وتغريمهم 2.3 مليار جنيه مصري.
 
حكم سياسي
بدوره، قال عضو المكتب التنفيذي لحركة قضاة من أجل مصر، المستشار عماد أبو هاشم، إن المقارنة بين حكم تبرئة رموز نظام مبارك وإعدام وسجن الثوار، تبين أن الأحكام لا تستند إلى أسباب منطقية.
 
وأضاف للجزيرة نت أن أحكام براءة نظام مبارك من قتل المتظاهرين والفساد المالي وآخرها تصدير الغاز، تأتى وفق مسلك ممنهج لما وصفه بقضاء الانقلاب العسكري لتبرئة مبارك ورجاله ما يمهد لقبول إدانة ثورة 25 يناير.
 
ورأى أن المحاكم تضرب عرض الحائط بالأدلة التي تقطع بإدانة مبارك ورجاله، بل وقد تلجأ إلى ما وصفه بالتزوير لتبرئتهم كما حدث بالقضية المعروفة إعلاميا بمحاكمة القرن بما يخالف الدستور والقانون. 

عزت غنيم: البراءة من تصدير الغاز لإسرائيل مسيسة (الجزيرة)

أحكام مسيّسة
وفي السياق ذاته، اعتبر المحامي والناشط الحقوقي عزت غنيم، أن براءة موظفي وزارة البترول في عهد مبارك مسيسة.
 
وأضاف للجزيرة نت أن سامح فهمي وموظفيه جزء من منظومة أدارت البلاد طيلة ستين سنة، وإدانتهم تعني إدانة النظام الحالي ما كفل لهم البراءة.
 
ووفق رؤية غنيم فإن الوزراء في عهد مبارك كانوا سكرتارية للرئيس، وينفذون أوامره دون النظر لآرائهم.
 
والحكم الأخير يمنح السلطة الحالية شرعية لامتداد العلاقات النفطية بين القاهرة وتل أبيب في المرحلة المقبلة، وفق قول غنيم.
 
وفي مقال له يحمل عنوان "أيها الفاسدون هنيئا بجرائمكم" قال الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام إن الحكم الأخير يسد الباب أمام مصر لمطالبة إسرائيل بتعويضات عن سرقة غازها والتي تقدر بأكثر من عشرة مليارات دولار.
 
وقال الدكتور محمد محسوب، نائب رئيس حزب الوسط، إن براءة نظام مبارك من تبديد الغاز تبرئ مقدما ما وصفهم بعصابة القمع من تبديد حقوق مصر بمياه النيل وغاز البحر المتوسط.
 
وأضاف في تدوينة له على موقع فيسبوك "إن لم نثر فسنندثر.. الثورة لم تعد خيارا بل أمل مصر في البقاء".
 
الأدلة تحكم
غير أن رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية يرى، في المقابل، ضرورة احترام الأحكام القضائية.
 
وأوضح الدكتور مختار غباشي أن الأحكام تصدر وفق ما يتوفر من أدلة وأسانيد، مشيرا إلى أن الخطأ يتلخص في اللجوء إلى محاكمات عادية وليست ثورية لمبارك ورجاله، لأن الأولى تلتزم بالقرائن والأدلة بينما الثانية تستند إلى الظرف الثوري.
 
وقال للجزيرة نت "من المستحيل أن تتوفر الأدلة ضد نظام مبارك الذي كان يرتكب الجرائم ويدمر أي دليل ضده باعتباره الحاكم وقتها".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة