مدينة حلب.. دمار التاريخ والحاضر   
الاثنين 1/6/1435 هـ - الموافق 31/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:36 (مكة المكرمة)، 13:36 (غرينتش)
خراب كبير حل بالجامع الأموي الذي يعد من أهم معالم حلب التاريخية (الجزيرة)
 
سوريا مهددة بأن تصبح خارج الزمان، هكذا يتكلم الحاضر عن نفسه، والمستقبل بدأت ترتسم حوله علامات استفهام، والماضي على وشك أن يصبح ناقصا، فقد وصل الدمار والنهب إلى الكثير من النفائس التراثية والأثرية في سوريا، التي وصفها أحدهم بأنها "متحف في الهواء الطلق".

ويؤكد خبير الآثار الألماني -من أصل سوري- مأمون فنصة أن مدينة حلب قد تكون فقدت جزءا كبيرا من هويتها وشخصيتها الحضارية، مشيرا إلى صعوبة ترميم ما دمر لأسباب مادية وأخرى بشرية، حيث إن ترميم المواقع الأثرية التي دمرت تحتاج إلى مليارات الدولارات، وفترة زمنية طويلة.

وكرّس المدير السابق لمتحف الطبيعة والإنسان بمدينة أولدنبورغ الألمانية وعضو هيئة المتاحف الألمانية كل طاقاته المهنية -وهو المولود في مدينة حلب- لقضية الآثار السورية بشكل عام، التي تهددها آليات الحرب الطاحنة والمدمرة لكل شيء.

وأكد فنصة أن عمليات الترميم ربما تحتاج بين عشرين وثلاثين مليار يورو، ولفترة زمنية بين خمس وعشر سنوات. مضيفا أنه ومجموعة من الخبراء الفنيين بصدد التحضير لمؤتمر لإعادة أعمار حلب القديمة والحديثة.

صحن الجامع الأموي في حلب بعد تعرضه لعمليات القصف (الجزيرة)
التاريخ هدفا
وسيكون ذلك بدعم من وزارة الخارجية الألمانية والوكالة الألمانية للتعاون الدولي و"رابطة أصدقاء مدينة حلب القديمة". كما أنه يعمل الآن على بناء شبكة من الخبراء الدوليين واستنهاض كل الطاقات من أجل خلق شبكة اتصالات في ما بينهم.

وأشار إلى أن هناك سبعة مواقع مهمة تمثل روح المدينة القديمة تعرضت لتدمير كامل أو جزئي، أهمها الجامع الأموي الذي احترق قسم كبير من فنائه الداخلي في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2012 ودُمر الكثير من أجزائه أيضا وانهارت مئذنته في نيسان/أبريل 2013.

وتعود المئذنة للعهد الأيوبي، وتمتاز بهندستها الرائعة، وزخرفاتها البديعة، لحسن الحظ -كما يقول فنصة- تم إنقاذ المنبر وإخفاؤه في مكان آمن، وكذلك تم بناء حائط إسمنتي حول الساعة وقبر النبي زكريا، كما تتم محاولات للحفاظ على أحجار المئذنة لاستخدامها لاحقا في الترميم.

أما البازار (سوق المدينة الأثري) الذي يعود تاريخ تأسيسه للعهد الهلنستي، بينما هويته وشخصيته المعمارية قبل دماره فهي بيزنطية، وبلغ طوله مع تفرعاته حوالي 12 كيلومترا، وقد أتى حريق هائل على قسم كبير منه، مما أدى إلى انهيار نحو 60% منه.

وتعرضت دار الجوازات -التي تعود إلى نهاية القرن الـ19، وتم ترميمها سابقا بدعم من "مؤسسة الأغا خان"- لدمار كبير جدا -كما يقول فنصة- ولحق بدار الفتوى دمار وصل إلى حوالي 50%.

أما المساجد والجوامع القديمة فقد تضرر ما يقارب 35 منها، بينها مأذنة جامع "المهمندار"، التي تعد فريدة من نوعها في سوريا وتعود للقرن الـ13، وتظهر التأثر بفن العمارة والزخرفة في سمرقند، كما حصد الدمار ما يقارب 50% من البيوت القديمة التي يبلغ عددها حوالي 6000 ويعود تاريخ بنائها إلى ما بين القرنين 14 و18.

واقتصر الدمار في قلعة حلب على مدخلها وبابها الذي يعود للعهد الأيوبي، ولحق بعض الضرر ببعض الآثار الموجودة بالحديقة. وحسب معلوماتي، فقد قامت الحكومة بنقل بعض القطع الأثرية المهمة إلى البنك المركزي في حلب.

 قلعة حلب تعرضت لأضرار في مدخلها وبابها الذي يعود للعهد الأيوبي (الجزيرة)

دمار ونهب
وتضم القائمة الصادرة عن اليونسكو ستة مواقع أثرية هي بصرى، ودمشق القديمة، وتدمر، وقلعة الحصن وقلعة صلاح الدين، وحلب القديمة، والمدن المنسية، والتي تقع شمال غرب حلب وتضم مئات المواقع والمدن وتعود في معظمها للعهدين الروماني والبيزنطي كقلعة سمعان.

وأشار فنصة إلى أن بصرى تعرضت لدمار بسيط كتحطم "سرير بنت الملك". وكذلك دمشق، حيث لحق ضرر خفيف بطرف الحي المسيحي في المدينة القديمة، ونالت تدمر قسطا وافرا من النهب والدمار، وخصوصا الأعمدة، وكذلك قلعة الحصن والمدن المنسية وفي الرقة ومعلولا.
 
وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) قد أعلنت مؤخرا أن عمليات تنقيب عن الآثار -وصفتها بالخطيرة و"المدمر للغاية" للتراث الثقافي السوري- تجري في أنحاء متفرقة في سوريا وفي مواقع أثرية مهمة، وأن بعض المواقع الأثرية دُمّرت أو نهبت بالكامل.
 
وأكد المدير العام المساعد المكلف بقطاع الثقافة بالمنظمة فرانشيسكو باندارين أن التنقيب غير القانوني عن الآثار يحدث في مدينة ماري السومرية القديمة ومدن إيبلا وتدمر وأفاميا.

وأضاف أن "هذا الأمر يحدث في جميع هذه المدن، وبعضها نُقب فيه إلى حد لا يمكن تصوره مثل مدينة أفاميا التي دمرت تماما". وذكر باندارين أنه يتم الاتجار بالقطع الأثرية والتراث الثقافي عبر منظمات غير قانونية في بلدان ومناطق أخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة