رفات الشهداء.. دعوة للتمسك بالحقوق   
الجمعة 1433/7/11 هـ - الموافق 1/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:25 (مكة المكرمة)، 12:25 (غرينتش)
مراسم عسكرية أقيمت للشهداء في مقر المقاطعة برام الله (الجزيرة نت)

ميرفت صادق وعاطف دغلس-الضفة الغربية

بعد 36 عاما، تمكن المسن الفلسطيني حسن سلمان الزغارنة (82 عاما) من استلام رفات شقيقه أحمد الذي قتل في اشتباك مسلح مع جنود إسرائيليين بمنطقة الجفتلك في الأغوار الفلسطينية عام 1976, ودفن ضمن آخرين من الشهداء في ما عرف بمقابر الأرقام.

وكان حسن الزغارنة في عمر السادسة والأربعين حين استشهد شقيقه، وبعيون باكية يقول -أثناء انتظار تسلم رفاته- "لم نترك وسيلة لاستعادة جثمانه ودفنه بقرب عائلته، ولكن دون جدوى".

ورغم أن عائلة الزغارنة لم تحظ بفرصة التأكد من هوية رفات ابنها بفحص الحمض النووي (دي أن إيه-DNA)، فإن الشقيق حسن يقول "الحمد لله أنني استعدت شقيقي قبل أن أموت، ولو كان كومة عظام".

وظهر الخميس، تمكنت عشرات العائلات الفلسطينية من استعادة رفات أبنائها الشهداء الذين قتلوا في معارك مختلفة مع الاحتلال الإسرائيلي خلال سنوات الثورة الفلسطينية، واحتجزت إسرائيل جثامينهم أعواما طويلة فيما عرف بمقابر الأرقام التي تضم الشهداء ممن نفذوا عمليات فدائية أو أسرت جثامينهم خلال اشتباكات مسلحة مع جنودها.

وتسلمت السلطة الفلسطينية في ساعة مبكرة من صباح الخميس رفات 91 شهيدا فلسطينيا، معظمهم من الفدائيين، حيث نقل 79 إلى الضفة الغربية. فيما وصل 12 رفاتا لدفنهم قرب عائلاتهم في قطاع غزة. وذلك ضمن ما أطلقت عليه حكومة الاحتلال الإسرائيلي "بادرة حسن نية تجاه القيادة الفلسطينية".

عاد في تابوت
وفي ساحة مقر الرئاسة بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية، استقبلت الأم عطاف أبو سليم رفات ابنها إيهاب الذي استشهد في عملية فدائية نفذها في مدينة تل أبيب سبتمبر/أيلول 2003.

وقالت الأم إن عائلتها عاشت معاناة مدتها تسع سنوات بسبب سلبها حقها في دفن ابنها الشهيد حسب الشريعة الإسلامية وقرب عائلته، لكنها تضيف "اليوم نقبل بحكم الله، ونشعر بالارتياح لاستعادته، رغم الحزن الكبير" لفقده، وتضيف دامعة "لقد خرج من البيت ماشيا واليوم يعود في التابوت".

مواطنون يشيعون قريبا لهم عقب تسلمه من الجهات الرسمية بمدينة نابلس (الجزيرة نت)
وحاولت عائلة أبو سليم -وهي من قرية رنتيس غرب رام الله- استعادة جثمان إيهاب وابن عمه رامز أيضا المحتجزيْن منذ تسع سنوات، عبر رفع قضايا عديدة في المحاكم الإسرائيلية، لكن سلطات الاحتلال ظلت ترفض ذلك.

وقالت أم إيهاب "نعرف أنهم كانوا مدفونين في وطنهم أيضا وأن أرواحهم عند ربهم، ولكن من حقنا دفن أبنائنا حسب شريعتنا، وأن نزورهم في مقبرة للمسلمين، إنهم يعاقبوننا ويعاقبون جثامينهم حتى بعد استشهادهم..".

كنا نحلم به
وفيما لم تقوَ على الوقوف، استذكرت والدة الشهيد أحمد عبد الكريم حمد تسع سنوات من المعاناة بعد استشهاده في اشتباك مسلح بجبل جرزيم في مدينة نابلس شمال الضفة فبراير/شباط 2003. وقالت أم أحمد إنها -رغم الحزن على ابنها الذي يعود إليها رفاتا- فإنها تشعر بالفرح لأنه أخيرا سيجد قبرا قرب عائلته، وأضافت "كنت أحلم به دوما يأتي ليسألني لماذا لا تأخذوني عندكم..، وكنت أسمع صوته كلما مرضت وكأنه بقربي..".

وتلقت عائلة حمد -وهي من منطقة نابلس شمال الضفة الغربية- عدة وعود بالإفراج عن جثمان ابنها -الذي لم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة يوم استشهاده- كان آخرها عندما كان شقيقها يتجهز لعرسه الصيف الماضي، وتقول الأم "يومها أوقفنا العرس بانتظار إعادته، لكنهم تراجعوا في اللحظات الأخيرة".

وقالت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء المحتجزة لدى سلطات الاحتلال إن هناك ما لا يقل عن 210 شهداء ما زالوا مدفونين بصورة غير لائقة فيما يعرف بمقابر الأرقام، حيث يعطى كل قبر رقما يدل على هوية الرفات الذي بداخله.

انتهاكات متعددة
وبدوره, اتهم رئيس نادي الأسير الفلسطيني قدورة فارس إسرائيل بانتهاك القانون الدولي بعدم تسليم الجثامين لذويهم من أجل دفنهم بالطريقة التي تليق بهم وحسب شريعتهم وعقيدتهم، وهي أيضا تنتهك القانون الدولي بدفنهم في مناطق عسكرية وبإشراف عسكريين دون حضور علماء دين مسلمين أو مسيحيين، رغم أن هذه الإجراءات من البديهيات المنصوص عليها دوليا.

وأوضح فارس أن لدى السلطة الفلسطينية وثائق تثبت أن عمليات دفن الشهداء تتم بطريقة لا تحفظ جثثهم، وعلى عمق بسيط تحت التربة، مما يجعلهم عرضة للنهش من الحيوانات الضارية، أو للتحلل بسبب العوامل الجوية وانزلاق التربة.

وحسب فارس، فإن جثمان الشهيدة دلال المغربي -التي نفذت عملية فدائية عام 1978- مجهول المصير بسبب دفنه بصورة غير ملائمة، كما أن عددا من الشهداء دفنوا دون التحقق من هوياتهم، وهو ما يعبر عن الاستهتار الإسرائيلي بكرامتهم كبشر.

الحملة مستمرة
من جهته, قال منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء سالم خلة للجزيرة نت إنهم يستعدون للمرحلة الثانية التي سيطلق خلالها أكثر من سبعين رفاتا خلال الأسابيع القادمة.

وأشار خلة إلى أن الحملة -التي انطلقت تحت شعار "لنا أسماء ولنا وطن" بتوثيق أكثر من 330 شهيدا فلسطينيا وعربيا- مستمرة بجهودها لتحرير بقية الأسرى الشهداء.

ويقول خلة إن الوازع الأخلاقي والديني والوطني كان دافعا لإطلاق الحملة بدعم من مركز القدس للمساعدة القانونية، لاستخراج هذه الجثامين وإعادتها إلى ذويها، وإقفال ملف مقابر الأرقام بضغط محلي ودولي، لا سيما أن إسرائيل تهين هؤلاء الشهداء بدفنهم بطرق غريبة قرب بعضهم البعض، وفي قبور لا يتجاوز عمق الواحد منها خمسين سنتيمترا.

هذه الاستهانة بالجثامين دفعت عائلة الشهيد نصر عصيدة من قرية تل جنوب غرب مدينة نابلس للمطالبة بإجراء فحص الحمض النووي لرفات ابنها.

وقال حسين الشيخ مسؤول الشؤون المدنية (الجهة المشرفة على عملية تسليم الرفات) في السلطة إن من حق كل عائلة فلسطينية أن تجري فحص الحمض النووي لابنها، وأن تفعل ما تراه مناسبا من الناحية الفنية والطبية، لكن أكد أنهم تسلموا الرفات بناءً على أسماء محددة من الإسرائيليين وبدقة عالية جدا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة