وحدة الصف في العراق بين العقلاء والتحديات   
الأربعاء 1424/12/21 هـ - الموافق 11/2/2004 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

محمود عبد الغفار-بغداد

الناظر إلى المشهد العراقي من داخله يشعر في أحايين كثيرة بالشيء ونقيضه في آن واحد.

فإذا لمست إقداما من القوم للعمل باتجاه إقامة حكومة شرعية منتخبة وإرساء سيادة القانون لا تعدم أن تشعر بوجل لديهم من وجود أياد تريد فرض نفسها عبر أنصار لها بحق القوة بدلا من قوة الحق المتمثلة في انتخابات نزيهة وحرة.

فقد شدد عدد ممن التقيتهم في عاصمة الرشيد على رغبتهم الشديدة في نبذ التحزب والعصبية لغير العراق. وقال أبو حسين (مدرس) إن العراقيين يتخوفون من أن تتكرر مأساة التحزب كما حدث في النظام السابق.

وقال مؤيد حسن (سائق) إنه يعرف أن من العيب أن يسأل أحد العراقيين الآخر عن مذهبه سنيا كان أم شيعيا، بسبب ما يجمعهم من روابط الدين والقربى، داعيا إلى ضرورة الالتزام بما يعزز التآلف.

لكن تصحب دعوة العقلاء –وهم كثر ممن التقيتهم هناك- إلى رص الصفوف وتعزيز الوحدة بين بعض أبناء الملة وشركاء الوطن، غصة في الحلق من دعاة الفتنة وأنصار العصبية الذين لا يصب عملهم بحال في مصلحة العراق.

يعلق عضو الأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين الشيخ أحمد الطه على ذلك بقوله "إن الإسلام يرشدنا إلى التعامل مع من لا دين له فكيف بمن يشهد الشهادتين ويصلي لنفس القبلة"، وشدد على ضرورة الوحدة بين العراقيين بشتى مذاهبهم وأطيافهم السياسية خاصة في هذا الوقت لطرد المحتل واستعادة السيادة.

وأشار الطه إلى وجود لقاءات متواصلة للهيئة مع علماء المذهب الشيعي مثل الشيخ أحمد البغدادي (النجف) والشيخ جواد الخالصي (الكاظمية) وآخرين من مدينتي كربلاء والصدر من أجل التشاور والتنسيق المستمر بهدف تعزيز الجبهة الداخلية.

وثنى على هذا المعنى الشيخ جواد الخالصي الذي قال إن "الشباب والعلماء والفضلاء يبادرون إلى احتواء كل فتنة يثيرها أعداء الله" محذرا من أن المخطط الصهيوني يرتكز على تفريق الأمة.

ويرى مراقبون أنه إذا كان هؤلاء العقلاء مصرين على احتواء نار الفتنة، فإنهم مطالبون أيضا بالتزام نبرة تصالحية تصدر ما يجمع ولا يفرق، وتجتنب ما يوغر الصدور أو ما تتلقفه أيادي الفتنة.

المحلل السياسي العراقي وليد الزبيدي أعرب عن تفاؤله بقدرة العراقيين على مواجهة المخطط الصهيوني الذي تنفذه قوات الاحتلال الأميركي خاصة ما يتعلق بتفكيك الوحدة الوطنية. وأكد أن البنية الاجتماعية العراقية متماسكة بسبب أنها أكثر بقعة عربية تعرضت لغزوات من الشرق والغرب مما دفع العراقيين إلى التمسك بعروبتهم ووحدتهم الداخلية.

ولا شك أن هذه الدعوات ليست وليدة اليوم لأنها تتكرر مع كل محنة وابتلاء يمر به العراقيون مما يدفع المخلصين من أبنائه إلى التدخل.

ولقد رصد عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) هذا الابتلاء بقوله "إن من المشاكل التي ابتلينا بها في العراق هي أن كل طائفة فيه اعتادت أن تنظر في عيوب غيرها. وقد آن الأوان لكي نترك هذه العادة فنعمل على إصلاح أنفسنا قبل النظر في إصلاح الآخرين".

وشدد الوردي على ضرورة أن يكون هذا الإصلاح من داخل كل مجموعة ليكون أكثر نفعا وأقل ضررا من الإصلاح الذي يأتي من الخارج، وحذر قائلا "كثيرا ما يؤدي الإصلاح الآتي من الخارج إلى إثارة الأحقاد والخصومات بين الطوائف".
_______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة