رعاية صحية بلا علاقات مشوهة   
الأحد 13/7/1435 هـ - الموافق 11/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 21:04 (مكة المكرمة)، 18:04 (غرينتش)

علا أوركونرين*

عندما كنت أتناول عشائي مؤخرا في أحد مطاعم أبوجا عاصمة نيجيريا، لاحظت ثنائيا غير متوافق على الإطلاق، فقد بدا الرجل في الستين من عمره على الأقل، ولكنه كان يرتدي سروالا ضيقا من الجينز وقميصا محكما بلا أكمام، ومن خلفه دخلت بخطوات متواثبة رفيقته التي بدت في الـ22 من عمرها على الأكثر.

لا شك في أن مثل هذه العلاقات ليست جديدة ولا تقتصر على نيجيريا، ولا يندهش كثيرون عندما يرون رجلا ثرياً مسنا يصاحب امرأة أصغر سنا وأكثر فقرا، واعدا إياها بتمويل تعليمها أو سفرها أو تسوقها في مقابل صحبتها. ولكن الأمر المثير للدهشة حقا هو عندما تتطور مثل هذه العلاقات إلى ارتباط أكثر عمقا ودواما.

والواقع أن العلاقة بين أفريقيا والغرب -خاصة عندما يتعلق الأمر بالرعاية الصحية- تشبه بقوة ديناميكية العجوز المتصابي والفتاة الشابة. فلعقود من الزمان كانت ابتكارات الرعاية الصحية تستنسخ من البلدان المتقدمة، ربما باختلافات طفيفة، على افتراض أن الأب الحنون يعرف أكثر، ولكن النتائج كانت مرهقة ومكلفة وغير مستدامة على الإطلاق تقريبا.

في أغلب البلدان الأوروبية هناك ما يقرب من ثلاثين طبيبا لكل ألف مريض، وفي نيجيريا تقترب النسبة من أربعة أطباء لكل مائة ألف مريض

احتياجات
والحقيقة أن احتياجات ومصالح وموارد البلدان الأفريقية تختلف كثيرا عن نظيراتها في الغرب. على سبيل المثال، في أغلب البلدان الأوروبية هناك ما يقرب من ثلاثين طبيبا لكل ألف مريض، وفي نيجيريا تقترب النسبة من أربعة أطباء لكل مائة ألف مريض. ونظرا لهذه الاختلافات فليس من المستغرب ألا تصادف البروتوكولات الطبية الغربية نجاحا في البلدان النامية.

وتكمن المشكلة في صعوبة تغيير الاعتقاد الراسخ أن الإبداع يتدفق في اتجاه واحد فقط: من الشمال إلى الجنوب. ولكن البلدان النامية قادرة على تحسين أنظمة الرعاية الصحية التي تتبناها البلدان الغربية، والتي هي بعيدة عن الكمال.

بل ومع تزايد شيخوخة شعوب البلدان المتقدمة، تخرج تكاليف الرعاية الصحية عن السيطرة. فمن المتوقع أن يبلغ إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية في الولايات المتحدة 4.8 تريليونات دولار -وهو ما يقرب من خُمس الناتج المحلي الإجمالي- عام 2021، بعد أن كان 2.6 تريليون دولار عام 2010، ونحو 75 مليار دولار عام 1970. وعلى نحو مماثل، في أوروبا قد يرتفع الإنفاق العام على الرعاية الصحية من 8% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2000 إلى 14%  في 2030.

البلدان النامية ليست قادرة على إحداث ثورة في أنظمة الرعاية الصحية لديها فحسب، بل بوسعها أيضا أن تساعد في إيجاد الحلول لمعضلات الرعاية الصحية في بلدان العالم المتقدم

زيادة الإنفاق
ويسهم تقدم التكنولوجيا الطبية أيضا إلى حد كبير في زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية من 38 إلى 65% وفقا لمؤسسة روبرت وود جونسون. إذ إن هذه التكنولوجيا تعمل على توسيع نطاق العلاجات المتاحة للمرضى، ولكن هذا يحدث غالبا بإحلال خدمات أعلى تكلفة في محل خيارات أقل تكلفة. بيد أن الحلول الأكثر فعالية من حيث التكلفة تشكل أهمية بالغة لضمان تمكين عدد أكبر من الناس من الوصول إلى التكنولوجيا الطبية المنقذة للحياة.

وهنا تتجلى أهمية ابتكارات البلدان النامية، فقد أعادت الارتباطية العالمية التي تتزايد على نحو لا ينقطع تشكيل مشهد الإبداع، فعملت بذلك على تمكين أي شخص لديه هاتف محمول أو اتصال بالإنترنت من الوصول إلى الأفكار والموارد التي يحتاج إليها لتقديم أنظمة قادرة على تغيير قواعد اللعبة. أضف إلى هذا مستوى الحاجة الذي لا تشاركها فيه البلدان المتقدمة. والواقع أن البلدان النامية ليست قادرة على إحداث ثورة في أنظمة الرعاية الصحية لديها فحسب، بل بوسعها أيضا أن تساعد في إيجاد الحلول لمعضلات الرعاية الصحية في بلدان العالم المتقدم.

والنبأ السار هنا هو أن إمكانيات الإبداع في البلدان النامية أصبحت واضحة بشكل متزايد. ففي محاولة لتخطي القيود التي يفرضها افتقار بلدانهم إلى البنية الأساسية الحديثة، يستغل الأفارقة على نحو متزايد الفرص التي تتيحها التقنيات النقالة ومصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية.

وفي مجال الرعاية الصحية، هناك شبكة "mPedigree" في غانا، وهي أول شركة تنفذ أنظمة الرمز القصير المتنقلة للكشف عن الأدوية المزيفة التي تتسبب في وفاة ألفي شخص في المتوسط يوميا في مختلف أنحاء العالم. فباستخدام الهاتف المحمول العادي يستطيع أي شخص أن يتحقق على الفور -وبدون تكلفة- مما إذا كان دواء ما أصليا أم مزيفا.

المئات من الابتكارات الطبية في الدول النامية تعمل على تسليم الرعاية الصحية عالية الجودة لأولئك الذين هم في أشد الحاجة إليها، في مقابل كلفة قد تقل عن 1% من الكلفة في أميركا أو أوروبا أو اليابان

احتضنوا صغاركم بحرارة
وعلى نحو مماثل، تكلف خدمة "احتضنوا صغاركم بحرارة" المبتكرة في الهند نحو مائتي دولار أميركي -مقارنة بما يقرب من ألفي دولار تكلفة الحضَّانة التقليدية في الولايات المتحدة- وهو ما يعطي الفرصة للملايين من الرضع منخفضي الوزن عند الولادة والمبتسرين للوصول إلى هذا المورد المنقذ للحياة.

وتعمل المئات من الابتكارات كهذه على تسليم الرعاية الصحية عالية الجودة لأولئك الذين هم في أشد الحاجة إليها، في مقابل تكلفة قد تقل عن 1% من التكلفة في أميركا أو أوروبا أو اليابان. وهذا النوع من الإبداع قادر على تحسين حياة الملايين من البشر في البلدان النامية، في حين يساعد في خفض تكاليف الرعاية الصحية الباهظة في الغرب.

إن العلاقة بين المسنين المتصابين والصبايا نادرا ما تدوم، ولكن فرص دوام الشراكات بين أنداد متكافئين أعظم. وقد حان الوقت لكي ينتبه زعماء العالم والمنظمات متعددة الأطراف إلى طاقات الإبداع في أفريقيا، وضرورة دعمها لصالح الجميع.
_______________
* طبيبة وقائدة مروحيات متدربة، وهي المديرة الإدارية لمؤسسة "الأطباء الطائرون في نيجيريا" التي تُعَد أول خدمة إسعاف جوي أهلية في غرب أفريقيا، وزميلة "أصوات جديدة 2013" في معهد أسبن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة