العراقي أحمد سعداوي: الكاتب ابن تجاربه   
الاثنين 1435/3/13 هـ - الموافق 13/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:55 (مكة المكرمة)، 10:55 (غرينتش)
أحمد سعداوي: الأديب لا يمكن أن يبدع دون أن يشعر بالحرية وغياب الإلزامات الخارجية المقيدة له (الجزيرة)
حاوره/ عبد الرزاق بوكبة

يلتصق الروائي العراقي أحمد سعداوي فيما يكتب بلحظته العراقية، ويحاول أن يقرأها على ضوء ما تحلم به، لا على ضوء ما تعيشه، ويؤمن بأن الفن الروائي خط عابر لقناعات المذاهب والعرقيات، ولصورتها عن نفسها وعن الآخر.
 
يكتب صاحب" البلد الجميل" الرواية والقصة والشعر، وهو يرى أن هوية الأديب العراقي الأساسي أن يكون شاعرا، ومع الأدب يغني تجربته الأدبية بالكتابة للصورة والعمل في مجال الأفلام الوثائقية والصحافة التلفزيونية.
 
يستمتع الكاتب العراقي الشاب بفعل الكتابة، وهو يخوض دائما في تجارب جديدة، لكنه يركز على الرواية التي يراها حاليا مشروعه الأهم، ويرى أن جائزة البوكر العربية التي رشحت روايته "فرانكشتاين في بغداد" لقائمتها الطويلة تحمل الكاتب إلى قطاع أوسع من القراء.

الجزيرة نت التقت الكاتب العراقي الشاب وحاورته حول روايته "فرانكشتاين في بغدد" وتجربته الأدبية ورؤيته للمشهد السردي في العراق والوطن العربي.

لا يغادر العراق متونك الروائية إنسانا ومكانا وأحزانا، هل كنت ستستقر على هذا الخيار لو لم تكن تعيش هذه اللحظة القاسية من العنف؟

الجميع في العراق تتمثل فيهم شخصية "فرانكشتاين" العراقي، فهو القاتل والمقتول، والضحية والمنتقم في الآن نفسه، ولأجل ذلك فإن مهمته التي يرى نفسه مكلفاً بها لن تنتهي أبدا

- الكاتب في نهاية المطاف، هو ابن تجاربه التي يخوضها، والكثير منها تتحكم فيها المصادفات. كنت مثلا خلال عام ألفين على شفا مغادرة العراق بالاتفاق مع مهرب، ولكني جبنت في اللحظة الأخيرة وغيرت رأيي.

كذلك الأمر صيف 2005 حيث حصلت على فرصة للعمل مع شركة إعلانات عربية، ولكن الاتفاق لم يحصل، ولو كنت سافرت، لما شهدت بعيني أحداث العنف الطائفي المروعة التي جرت لاحقا خلال 2006-2007.

تقدم روايتك "فرانكشتاين في بغداد" شخصية غريبة هي هادي العتاك، ينتفض من موته منتقما من قاتليه، هو صورة من في عراق اليوم؟

ـ "هادي العتاك" في الرواية هو صانع الشخصية الغريبة، وهو والده الرمزي. أما على من تنطبق ملامح وأوصاف هذه الشخصية، فهي تنطبق في واقع الحال، على الجميع.

المجتمع العراقي الذي وجد نفسه أمام حالة انقسام حادة بعد عام 2003 خلق ذاكرات متباينة لكل فئة ومكوّن وجماعة. وفي كل ذاكرة من هذه الذاكرات ترى الجماعة الطائفية والعرقية نفسها ضحية للآخرين، وتتغاضى عن جرائمها التي ترتكبها بحق الطرف الآخر.

صارت لدينا قصص متباينة، وصار الجميع مظلوما ويطلب الثأر من ظالمه، ومن هنا فإن الجميع تتمثل فيهم شخصية "فرانكشتاين" العراقي، فهو القاتل والمقتول، والضحية والمنتقم في الآن نفسه، ولأجل ذلك فإن مهمته التي يرى نفسه مكلفاً بها لن تنتهي أبدا.

هل يجد الروائي المنتمي إلى مشهد متعدد العرقيات والمذاهب صعوبة في أن يكتب ما يعتبره "حقيقة روائية"؟

هوية الأديب العراقي الأساسي أن يكون شاعرا. لدينا تقاليد شعرية عريقة تمتد إلى أيام الدولة العباسية، ولم تنقطع في يوم ما. والمزاج الثقافي العام مزاج شعري

ـ الحقيقية التي تؤمن بها كل عرقية أو مذهب هي حقائق أيديولوجية وعقائدية ومن المستحيل أن تغدو "حقيقة روائية"، ربما تكمن "الحقيقة الروائية" في الخط العابر لكل قناعات الأعراق والمذاهب حول نفسها وحول الآخر الشريك لها في ذات البلد. باتجاه انفتاح التصور، المضاد لانغلاق دوغما العقائد والأفكار.

هناك في كل مجتمع متنوع الأعراق والمذاهب خبرة اجتماعية ممتازة عن التلاقح والاندماج والتجاور والتداخل، وهي عناصر تنشأ عليها المدنيات الحديثة، ولكن هذه الخبرة عادة ما تسقط من حسابات زعماء الحروب الأهلية.

كتبت في أحد نصوصك "لأنك كلما جئت تجيئين بلا ذاكرة" هل ترى توثيق العنف الذي يحياه العراق اليوم فنيا فرصة للكتابة أم واجبا وطنيا إنسانيا؟

ـ أعتقد أن لدينا فكرة غير حسنة عن مفهوم "الواجب الوطني" أو الإنساني، لكثرة ما تم تداوله على ألسنة السلطات والحكومات المستبدة حتى ضاع معناها الإيجابي.

وبالنسبة للرواية والأدب عموما لن يستطيع الكاتب أن يبدع دون الشعور الذاتي على الأقل بالحرية، الحرية حتى من الواجبات المفترضة للنص الإبداعي خارج دائرة النص ذاته. لذلك من غير المناسب وجود إلزامات خارجية للكاتب فيما يتجه إليه من موضوعات وأفكار.

قدمت اللحظة العراقية اليوم تجارب شعرية جديدة كثيرة، بالمقارنة مع التجارب الروائية، كيف تقرأ الأمر؟

يثيرني ما يكتبه الجيل الأحدث في الكتابة الروائية العربية، وأجد متعة كبيرة في قراءة نصوصه، وأجد بعضها يحاكي ما يفكر به وينجزه الجيل الجديد من كتاب الرواية العراقية
ـ هوية الأديب العراقي الأساسي هي أن يكون شاعرا. لدينا تقاليد شعرية عريقة تمتد إلى أيام الدولة العباسية، ولم تنقطع في يوم ما. والمزاج الثقافي العام مزاج شعري. أما في مجال الفنون السردية فازدهرت لدينا القصة القصيرة، ولدينا أسماء كبيرة فيها عربيا وعالميا مثل محمد خضير ومحمود عبد الوهاب ومحمود جنداري ومهدي عيسى الصقر وغيرهم.

وربما من أسباب قلة التجارب الروائية بالمقارنة مع الشعر والقصة قوة التقاليد الأدبية الشعرية والقصصية، وأيضا لأن الرواية مواجهة مع التاريخ والمجتمع، ومن الصعب أن تزدهر في أجواء تقل فيها الحرية، خصوصا مع قراءة محددة عن التاريخ والمجتمع تفرضها السلطة المستبدة.

كيف تقرأ ملامح المشهد الروائي العربي اليوم؟ هل ترى جديدا في الأفق؟

ـ لست متابعا جيدا. أعرف ما يجري في بلدي، وأعرف أن هناك تجارب روائية مهمة قدمت نصوصا روائية ممتازة خلال السنوات الماضية، مثل علي بدر الذي أنتج خلال عقد أكثر من عشر روايات، وعلي عباس خفيف ولؤي حمزة عباس ومرتضى كزار وضياء الخالدي وضياء الجبيلي ونزار عبد الستار والراحل محمد الحمراني وآخرين.

يثيرني ما يكتبه الجيل الأحدث في الكتابة الروائية العربية، وأجد متعة كبيرة في قراءة نصوصه، وأجد بعضها يحاكي ما يفكر به وينجزه الجيل الجديد من كتاب الرواية العراقية.

سبق لك أن فزت بجوائز أدبية رفيعة، هل للبوكر التي رشحت روايتك "فرانكشتاين في بغداد" لقائمتها الطويلة طعم مختلف؟

ـ البوكر أرفع جائزة عربية تختص بالرواية الآن، ومن توجد روايته في مراتبها المتعددة، يحصل بشكل تلقائي على أضواء جديدة على عمله تسهّل وصوله إلى قطاع أوسع من القراء، وهؤلاء هم الحكم الفعلي في التفاعل مع عمل الروائي بشكل إيجابي أو سلبي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة