الولع الغربي بالإسلام من منظور فني   
الخميس 9/11/1432 هـ - الموافق 6/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:06 (مكة المكرمة)، 14:06 (غرينتش)

غلاف كتاب "الولع بالإسلام.. قصة افتتان فني" 

أنطوان جوكي-باريس

أصدرت مديرة معهد ثقافات الإسلام في باريس فيرونيك ريفّيل بالإشتراك مع دار الفنون الجميلة للنشر، كتاب "الولع بالإسلام.. قصة افتتان فني" الذي يتناول تاريخ العلاقات بين الإسلام والغرب من منظور فني، ويتضمن مداخلات قيمة من وجوه فنية وفكرية بارزة، مثل أخناتون وباسكال بلانشار وكاترين دافيد ونيكولا فارغ ومنير فاطمي وهالة فطومي وفرنسوا موريلّي ومارتين بار.

وفكرة الارتكاز على تاريخ الفن لمقاربة موضوع الإسلام مثيرة على أكثر من صعيد، إذ يؤمّن الفن فضاء أقل اعوجاجا من السياسة، كما أنه يسمح -دون أن يقترح أجوبة نهائية وحاسمة على الموضوع- برؤيةٍ أوضح وبطرح تساؤلي أقل عدائية.

وأكثر من ذلك، يملك الفن القدرة على كشف ما هو مطمور تحت بداهات عمياء غير دقيقة، ويساهم بالتالي في إخراج نظرتنا من مركزها والتوجه بها نحو زوايا لم تختبرها بعد، فيسمح لنا بتقييم شيء يختلف عنا في ظاهره.

يدعو هذا الكتاب للنظر إلى الإسلام كموضوعٍ جمالي، أو لكشف الميول الثابتة في الغرب إلى إلقاء مثل هذه النظرة
تأمل موضوعي

ولا عجب في ذلك، فالاختبار الفني مكان الممارسة العفوية للتداخل الثقافي، بعيداً عن الجانب المصطنَع لفكرة "حوار الثقافات" الرائجة منذ فترة، كما أنه تبادل في جوهره لكونه فضاء مقابلة مع أنماط تمثيل نتملكها أو نشيّد أنفسنا في معارضتنا لها.

يعرف الغربيون قصة بيكاسو الذي ابتكر التكعيبية على أثر اكتشافه الفن الأفريقي، لكن معظمهم يجهل الدور الحاسم الذي لعبه الفن الإسلامي في انبثاق الفن الحديث.

ويهدف الكتاب إلى إخراج قرائه من نظرتهم الفقيرة والمنحرفة للإسلام وتكثيف زواياها عبر مساءلة فنانين يعيشون في الغرب -بغض النظر عن أصولهم وانتماءاتهم الدينية- وإشراكهم -إلى جانب مفكرين معروفين- في تأمل جديد وموضوعي للإسلام لا بد منه.

بعبارةٍ أخرى، يدعو هذا الكتاب للنظر إلى الإسلام كموضوعٍ جمالي، أو لكشف الميول الثابتة في الغرب إلى إلقاء مثل هذه النظرة، فمنذ مرحلة الاستشراق شكّل الإسلام مصدر وحي خصبا للفن الغربي، قبل أن يلعب دوراً رئيسياً في الانقلابين الكبيرين اللذين عرفهما هذا الأخير منذ القرن التاسع عشر: اندراج فن الزخرفة داخل الفنون الجميلة، وانبثاق التجريد كعلامة نهائية على الحداثة.

ومع ذلك، يتم غالباً اختصار إنجازاته الفنية بقصة عصره الذهبي المفقود أو بمجموعة عادات فلكلورية غالبا ما يسجنه الغرب داخلها.

فكرة الإرتكاز على تاريخ الفن لمقاربة موضوع الإسلام مثيرة على أكثر من صعيد، إذ يؤمّن الفن فضاء أقل اعوجاجا من السياسة
مقاربة مختلفة
ولمعالجة موضوعه، يتبنى الكتاب علاقة مع الزمن والفضاء بعيدة كل البعد عن المقاربة التاريخية أو الجغرافية التقليدية. وبتناوله مرحلة الاستشراق ومرحلة الحداثة والمرحلة المعاصرة بدون أي ترتيب زمني، يمنح القارئ بانوراما كاملة لمختلف صور الإسلام المتناقلة في الغرب، بعدما أصبح موضوعا فنيا دوليا، بعيدا عن أي اختزال هوياتي أو طائفي.

وفي هذا السياق، يقيم مقاربات ثاقبة بين أعمال فنية مُبتكَرة في ظروفٍ وأزمنة مختلفة بهدف كشف تجاذبات شكلية وفكرية وروحية تزعزع نظرية "صراع الحضارات" العقيمة، تجاذبات نذكر منها على سبيل المثال: أثر فنون الزخرفة الإسلامية على فن ماتيس أو فرانز كوبكا، زيارة كاندينسكي إلى معرض "الفن الإسلامي" في ميونيخ ونتائجها على اختباراته اللاحقة ونظريته الشهيرة "الروحاني في الفن".

ومن بين تلك المؤثرات أيضا الصدمة التي تلقاها بول كلي في مدينة القيروان التونسية وتبلورت على إثرها نظرته الصوفية إلى الفن، وولع أبي الهندسة الحديثة لو كوربوزيي بدقة وصفاء الأشكال الهندسية الإسلامية، وتوجّه فرنسوا موريلّي نحو هندسة الفضاء بعد زيارته "قصر الحمراء" في الأندلس، وغيرها كثير.

ولا يتوقف الكتاب فقط عند مسألة تغذّي الفن الغربي من أشكال ونماذج مستعارة من الفنون الإسلامية، بل يتناول أيضاً مسألة مقاربة هذا الفن للإسلام كديانةٍ، وبالتالي وقوفه أحيانا خلف ذلك المزيج من الجاذبية والنفور الذي يهيكل صورة الغرب الخيالية للإسلام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة