معركة جنوب أفريقيا الظافرة ضد الإيدز   
الخميس 1435/1/19 هـ - الموافق 21/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:57 (مكة المكرمة)، 11:57 (غرينتش)

توشوكو أكونيلي*

في المعركة ضد فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة "الإيدز" كانت دولة جنوب أفريقيا لسنوات عديدة المثال التام لما لا ينبغي لنا أن نفعله. فحتى وقت قريب، كانت استجابة الحكومة للوباء الذي هدد الشريان الذي يمد البلاد بالحياة باهتة وحمقاء. ولكن الضغوط المتصاعدة على مدى العقدين الماضيين من قِبَل منظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والساسة الأكثر استنارة بدأت تثمر أخيرا. إن المرض الذي أحدث آلاما اجتماعية واقتصادية عميقة، وقلص من متوسط العمر المتوقع بشكل كبير، يبدو الآن في تراجع.

ولكن تقريرا حديثا للأمم المتحدة يشير إلى أن معركة جنوب أفريقيا ضد الفيروس لم تنته بعد. فالبلاد تعاني من مشكلة الإيدز الأكثر شدة على مستوى العالم، إذ يعيش نحو 5.6 ملايين مواطن -أكثر من 10% من السكان- بالفيروس حاليا. وفي كل عام يصاب نحو 300 ألف آخرين بالعدوى، وطبقا للسجلات فإن الوفيات المرتبطة بالإيدز بلغت 270 ألفا.

والواقع أن مرضى "الإيدز" عرضة أيضا لأنواع أخرى من العدوى، إذ يقدر أن قرابة 70% من المصابين بالإيدز في جنوب أفريقيا تصيبهم أيضا عدوى السل، في حين من المتوقع أن يصاب نصف الحاملين للفيروس بالسل في حياتهم. والأمر الأسوأ من ذلك هو أن ثلث النساء الحوامل -الشريحة السكانية الأكثر عُرضة للإصابة بمرض الإيدز- تم تشخيصهن بأنهن يحملن الفيروس، الذي قد ينتقل إلى الأطفال أثناء الولادة.

في كل عام يصاب نحو 300 ألف شخص في جنوب أفريقيا بالإيدز، ويبلغ عدد الوفيات المرتبطة بالمرض 270 ألفا

مرض شرس
لقد فاجأت شراسة المرض والسرعة التي ينتشر بها العديد من مواطني جنوب أفريقيا. وكما هي الحال في البلدان المتقدمة، فإن عدوى الإيدز كانت في البداية تنتقل بين المصابين بسيولة الدم، والمثليين النشطين جنسيا، ومن يتعاطون المخدرات بالحقن. ولكن في تسعينيات القرن العشرين ولأسباب لا تزال غير مفهومة بشكل كامل، انتشر الفيروس بين عموم السكان. وتتجاوز أعداد المصابين في جنوب أفريقيا (والتي تعادل إجمالي سكان الدانمارك) نظيراتها في البلدان المجاورة لها، موزمبيق وليسوتو وبتسوانا وناميبيا وسوازيلاند وزيمبابوي مجتمعة.

رغم هذا وعلى نحو يكاد لا يصدق، لم يكن الانتشار السريع لفيروس نقص المناعة البشرية وارتفاع حصيلة الوفيات المرتبطة بالإيدز كافيا لتحفيز زعماء البلاد في مرحلة ما بعد الفصل العنصري، خاصة الرئيس السابق ثابو مبيكي، لاتخاذ إجراءات جادة. فلسنوات عديدة، أبدت المناصب العليا في المؤتمر الوطني الأفريقي الإنكار لمدى انتشار "الإيدز" وأفضل السبل لمكافحته.

ولم تكن منظمات المجتمع المدني على ذلك القدر من الرضا عن الذات والتراخي، فلجأت إلى المحاكم ووسائل الإعلام والعصيان المدني للضغط على الحكومة من أجل التغيير. ورغم استمرار وجهات النظر المتناقضة حول كيفية معالجة فيروس نقص المناعة البشرية، كان العلاج المضاد للفيروسات الرجعية متاحا على الأقل في بعض المرافق العامة على مدى العقد الماضي. ولكن النهج الأكثر تماسكا واتساقا لم ينشأ إلا في أعقاب تعيين هارون موتسواليدي وزيرا للصحة في العام 2009.

ثلاثة أساليب
والآن تشير تقارير الإدارة الوطنية للصحة ومقدمي الرعاية الصحية من القطاع الخاص في جنوب أفريقيا إلى أن الظروف لم تعد بائسة إلى حد كبير كما كانت من قبل. وقد ساعدت ثلاثة أساليب في احتواء الانتشار، توفير العلاج بالأدوية المضادة للفيروسات الرجعية من قِبَل الحكومة والهيئات المانحة، وتحسين العلاج الذي يتلقاه مرضى السل إذ يميلون إلى التقاط عدوى الإيدز أيضا، والبرنامج الموسع لمنع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل.

مع أن العلاجات قد نجحت في خفض معدل الإصابات الجديدة، فإن العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعيشون بفيروس نقص المناعة البشرية، خاصة في الفئة العمرية من 15 سنة إلى 49 سنة، ما زال في ارتفاع مستمر

وقد نجحت هذه العلاجات في خفض معدل الإصابات الجديدة، وذلك رغم أن العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعيشون بفيروس نقص المناعة البشرية، خاصة في الفئة العمرية من 15 سنة إلى 49 سنة، في ارتفاع مستمر.

ومع خضوع ما يقرب من مليوني مريض الآن للعلاج بالأدوية المضادة للفيروسات، تراجعت الوفيات المرتبطة بالإيدز بنحو مائة ألف منذ العام 2005. أما انتقال العدوى إلى الأطفال الحديثي الولادة، الذي بلغ معدله ذات يوم 70 ألفا سنويا، فقد انخفض بنسبة 63% تقريبا، هذا فضلا عن إطالة حياة الملايين من المصابين "الإيدز".

تكامل خطط العلاج
وهناك عامل آخر مهم يتلخص في تكامل خطط العلاج، فقد عملت الحكومة على تنظيم برامجها المبكرة لتقديم العلاج بالأدوية المضادة للفيروسات إلى المصابين الحاليين، التي بدأ العمل بها في العام 2008، ودمجها مع برامج المراقبة والرصد للنساء الحوامل. والآن يساهم في تحسين الأوضاع أيضا توفير أدوية أكثر فعالية لمنع الإصابة بالسل، وبوجه خاص السلالات المقاومة للعقاقير المتعددة.

وهناك المزيد الذي يمكن القيام به. فمن الممكن على سبيل المثال خفض معدلات الإصابة بين الأطفال الحديثي الولادة إلى مستويات أدنى من خلال تشجيع المزيد من الحوامل على زيارة العيادات الصحية من أجل الرصد المبكر والفحص بعد الولادة.

ولكن يتعين علينا أن نعترف بالتقدم الذي أحرز حتى يومنا هذا، فالنجاحات الأخيرة تدلل على أن أعظم الويلات يمكن التغلب عليها من خلال الإرادة السياسية والموارد الكافية، وهو درس بالغ الأهمية ليس فقط لجنوب أفريقيا بل وأيضا لبلدان في أماكن أخرى من أفريقيا والعالم النامي.
--------------------------------------------
* طالب في الدراسات العليا في كلية فيلي برانت للسياسة العامة في جامعة إرفورت، ألمانيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة