"أربعينية" غويتيسولو.. الموتى يكتبون الروايات   
الجمعة 9/2/1437 هـ - الموافق 20/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:17 (مكة المكرمة)، 11:17 (غرينتش)

هيثم حسين

يستنطق الإسباني خوان غويتيسولو في روايته "الأربعينية" جثة ميت يفترض به أن يزور أهله وصحبه في اليوم المخصص لأربعينيته، فيتخذه شاهدا على حياة عاشها وانتقل أثناءها بين الشرق والغرب، وتعرف إلى المدن وأهلها، واكتشف أسرار الكتابة وأولع بها، فقرر كتابة سيرته الذاتية التي تتقاطع مع سير كثيرين حيث حل وارتحل.

يقول الراوي المفترض إنه عنت له فكرة كتابة نصه عشية العام الذي سبق الحرب، وإنه كان قد أحكم مسبقا هذا الموضوع عند التفكير في لحظة الانتقال إلى الآخرة، ودفعه إليه الرحيل المباغت لصديقة، ورغبته في معاودة التواصل لعلاقتهما الرهيفة من خلال الحكي.

جدائل الذاكرة
يجري غويتيسولو في روايته -التي صدرت عن منشورات المركز القومي للترجمة بترجمة عبير عبد الحافظ (2014)- تداخلا بين الكتابة الروائية والتحضير للأربعينية،  يسأل عن خلق النص الروائي، وما إن كان مثله مثل الأربعينية، وإن كان الكاتب يضطر إلى الانعزال عن العالم في المرحلة المبهمة التي تسبق تكوين روايته، وما إن كان يضطر إلى أن يحيط نفسه ومادته الروائية الخام بحبل صحي ذي حواجز للحماية.

غويتيسولو ينهل من الثقافة العربية والإسلامية، ويجد أن أربعينية الكاتب، أربعينية القارئ، أربعينية الكتاب، لا غنى عنها جميعا في الأثر الفاعل لتحفيز الكلمة المكتوبة وتحويلها

يتبدى بطل غويتيسولو ناطقا بأفكار الروائي نفسه وتصوراته عن عالم الكتابة، ويعتقد أن كتابة نص ما يفترض وجود شبكة من العلاقات الرقيقة، تربط بين العقد التي تنسج هذه الشبكة وتتلاحم فيها الأحداث: لحظات الحياة، الدعابات، الأسفار، المصادفات. وتمتزج القراءات المحتملة بالفانتازيا والصور، من أجل دمج هذا التشابك المؤلف من نقاط التضاد والالتقاء، وجدائل الذاكرة والومضات المباغتة، والتيارات المتعاقبة.

ينهل الروائي من الثقافة العربية والإسلامية، ويجد أن أربعينية الكاتب، أربعينية القارئ، أربعينية الكتاب، لا غنى عنها جميعا في الأثر الفاعل لتحفيز الكلمة المكتوبة وتحويلها. ويصرح سارده -الذي يعكس تصوره- أنه اعتاد أن ينهل من قطوف كتب ابن عربي، وميجيل آسين بالاثيوس، ونصوص متعددة تحكي قصة الإسراء والمعراج للنبي (عليه السلام)، والقصائد الصوفية، وكتاب "المرشد الروحي" لمولينوس الذي حققه أفضل شعرائهم الأحياء، وكانت صديقته تحمله في اليوم الذي غابت فيه عن ناظريه. 

يلتقط غويتيسولو لحظة غريبة ليجعلها محط اشتغاله، وهي اللحظة التي يقول بطله إنه تأهب فيها ليبدأ تأليف كتابه، وبعد الوقت القصير الذي عبر فيه إلى اللانهاية، انطلق من نفسه وأدرك على الفور كينونة الخفة والسيولة.

وتطلع الراوي إلى نفسه من الخارج، أصم وأعمى، بلا حماس، بلا شعور، محاطا باهتمام ذويه والحزن الصامت لزوجته. ورغم أن مفهوم الزمن يتلاشى في النقطة الواصلة بين العالمين، يذكر أنه قام ذهنيا بتنظيم نص كتابه وصف صفحاته في المرحلة التي تهيم فيها الأرواح في فترة الأربعينية.

يصف غويتيسولو واقع مدن مصرية وحالة انتظار أهل الميت للجثمان، ويتخيل شلال دماء فاض عن مستنقع أو سد جعل يتقدم في بطء من شوارع القرية، فيما تكومت أهرامات الأجساد لتدفق سيارات الموتى. تذكر حينئذ "من يقدر ولو بكلمات فضفاضة الحديث عن هذا الكم من الدماء والجراح، وإن حاول بشتى أشكال الحديث؟".

جبال هشة
ينذر الروائي بأحداث مستقبلية مرعبة، ويشير مخاطبا صديقته المفترضة بأنها سترى هجرات متتابعة، وجثثا أخرجت من أجداثها بكل حقد، وتماثيل ضخمة انتزعت من قواعدها وتم تحطيمها بمطرقات، وكتبا عقائدية وسياسية أساسية ألقيت في النار، وحرق العظام، وشوارع وميادين تنزع عنها أسماؤها، وأجسادا مكبلة تتحول لرماد، ومنازل متهدمة باسم سجل العار المشين، وشخوصا هامدة، ذابلة، تالفة، فوضى، وفرقة من الممثلين الجائلين المحتالين.

غويتيسولو المشبع بالثقافة العربية الإسلامية يجمع بين المفارقة والغرابة والسخرية المريرة في الوقت نفسه، فالميت يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخطوطات تراثية قيمة أثناء تخيله تلك الفوضى التي تجتاح الشوارع

كما رأى الراوي قطعانا ترعاها الذئاب بدلا من الرعاة، وأنه لن يكون ثمة مكان لذرة من الحقيقة، ولن توجد سوى كومات من التراب، أو جبال هشة.

يتساءل الراوي عن الخراب الذي يصادفه، وعن أي شرايين وأوردة ضخمة تفيض تلك الدماء؟ يسأل قائلا "أهم المعوزون من بن سودة؟ أم متظاهرون في شوارع وهران اخترقت أجسادهم رصاصات البنادق؟ أم هؤلاء المساكين المحتقرون في أحياء القاهرة الشعبية؟ أم شهداء صبرا وشاتيلا؟ أم تلك الأمهات اللاتي فاجأهن القصف في بيروت بينما كنّ يتبضعن؟ أم الأطفال قاذفو الحجارة في كفر مالك؟ أم هؤلاء القرويون الذين أبيدوا في حلبجة؟ أم أطفال متكومون في جحيم الشطي؟".  

كما تراه يتساءل إن كان هاجسه بتقدم عمره هو ما دفعه لاستعراض صور الأماكن الأجمل التي عرفها في حياته، فيسيطر عليه القلق والحزن لشيخ خرف يهوى جمع التذكارات والتحف، قبل أن تختفي هذه عن نظره بأمر من بارئه؟ أم لعل وهن السنوات الواضح في حركاته غير المؤهلة وتحسسه كالأعمى، عندما رأى في ذاكرته المدن القديمة التي أحبها، قد تغطت بأكوام الخردة والحفرة السوداء، بينما تنبح الكلاب البوليسية للإعلام بحبور؟

يقول الراوي "ها هي عاصمة هارون الرشيد المحببة العائلية. الأعداء مذعورون مثل الصراصير لحظة إضاءة نور الحجرة، يدهسون في تشتتهم المجنون رعبا من غضب المهلك".

يجمع غويتيسولو، المشبع بالثقافة العربية الإسلامية، بين المفارقة والغرابة والسخرية المريرة في الوقت نفسه، فالميت يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخطوطات تراثية قيمة أثناء تخيله تلك الفوضى التي تجتاح الشوارع. ويقول إن الوقت أمهله لحظات قصيرة ليطالع ديوان شعر للمعري، قبل أن يغرق في دوامة نحو فيض الدماء والموتى، وملاك الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات.

يرسم غويتيسولو أجواء سريالية في روايته، منها مثلا ما يتذكره الميت من أن مجريات روايته حدثت في فترة احتضاره القصير. وحين انتهى من الكتاب نهض من الفراش الذي رقد فيه من دون أن يلحظ أحد، ارتدى بذلته الوحيدة التي حافظ عليها، أحكم عقدة رباط العنق القديم المنسي، واستقل الحافلة للذهاب إلى مقر المحكمة.

واستعلم البطل/الراوي من حارس الأمن الذي دله بدوره على المصعد الذي حمله إلى الدور السابع، حيث يلتقي جميع المدعوين إلى الأربعينية. كان المكان خاليا حين وصل، ولكنه اتبع نصيحة الساعي، وطرق الباب الصلب لمكتب التحقيقات الذي علقت عليه لوحة معدنية مذهبة نقش عليها اسما "منكر ونكير".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة