جدل بلبنان حيال مواقف البطريركية المارونية   
الخميس 1433/2/10 هـ - الموافق 5/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 18:20 (مكة المكرمة)، 15:20 (غرينتش)

البطريرك الراعي (يسار) أطلق مواقف تختلف بشكل كبير عن مواقف سلفه صفير (يمين) (رويترز-أرشيف) 

نقولا طعمة-بيروت

منذ توليه سدة البطريركية المارونية أواسط مارس/آذار، أطلق البطريرك بشارة الراعي سلسلة مواقف غير مسبوقة في بكركي -مركز الكنيسة المارونية- منها ما يتعلق بسلاح المقاومة، وبالسلاح الفلسطيني، وبعلاقة المسيحيين بجوارهم العربي.

لم تكن المواقف منتظرة، فمن الأطراف السياسية من ارتاح لها كقوى الثامن من آذار لتقاربها من مواقفها، ومنها من استهجنها ولو بحذر كقوى الرابع عشر من آذار لأنها شكلت صدمة لطروحاتها في المسائل المذكورة.

ووصفت الكاتبة في جريدة "النهار" هيام قصيفي انتخاب الراعي بالانقلاب الأبيض في بكركي، الذي بدت -بنظر الكاتبة- مواقفه أقرب إلى حلفاء دمشق، وذلك تعبيرا عن ملاحظاتها على تصريحات الراعي خلال زيارته لباريس متخوفا من الأصولية السنية، معطوفا على لقاءات موفديه مع "حزب الله"، ومع السفيرين السوري والإيراني في لبنان.

بوحبيب قال إن البطريرك الراعي يمثل مرحلة جديدة من سياسة بكركي، وليست مرحلة متغيرة (الجزيرة)
مرحلة جديدة
ويرى عبد الله بوحبيب -مدير المركز اللبناني للدراسات- أن البطريرك الراعي يمثل مرحلة جديدة من سياسة بكركي، وليست مرحلة متغيرة، ذلك أن البطريرك نصر الله صفير ركز على شعارات التحرير والسيادة، بينما يركز الراعي على واقع الوجود المسيحي في الشرق، وعلاقة المسيحيين بمكونات بيئتهم الاجتماعية.

وأضاف أنه لم يكن البطريرك صفير ضد الفلسطينيين وحقوقهم الإنسانية وحق العودة، وطالما نوه بدفاع الفلسطينيين عن أرضهم، لكن القضية الفلسطينية لم تكن من أولوياته.

ويقارن بوحبيب بين مواقف الراعي وصفير بقوله إن الراعي عنده المبادئ ذاتها، وقال تكرارا إنه مع سيادة الدولة والقانون، والسلاح يجب أن يكون بيد الدولة، لكنه تناول مسألة السلاح بمقاربة مختلفة آخذا بعين الاعتبار ضعف الدولة، وعدم قدرتها على أن ترد عن لبنان الاعتداءات الإسرائيلية، وعلى أنه بغياب المقاومة لن تستطيع الدولة أن تمنع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أرض الجنوب.

تحول آخر لاحظه بوحبيب في مواقف بكركي وهو التعامل مع الواقع المسيحي، حيث إنه في عهد آخر بطريركين (أنطونيوس خريش ونصر الله صفير) تركز اهتمام بكركي على مسيحيي لبنان، لكن مع الراعي، وانطلاقا من توجهات الفاتيكان، توسع الاهتمام ليطال مسيحيي الشرق خصوصا لما تعرض له وجودهم بعد حرب العراق، وفي ظل التحركات الشعبية في العالم العربي.

الشيخ بلال شعبان قال إن بكركي لم تعد منبرا خاصا بفئة سياسية معينة كالسابق (الجزيرة)
تغير الأولويات
من جهته، يقترب يوسف الدويهي -عضو الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار- من مضمون كلام بوحبيب بقوله إن ثوابت بكركي لم تتغير، إنما تغيرت أولوياتها، موضحا أن الفرق بين طروحات وأداء البطريركين السابق (صفير) والحالي (الراعي) هو في أولويات المرحلة التي عاشها ويعيشها كل منهما، فالبطريرك صفير عايش مرحلة حساسة ومليئة بالاضطراب والهموم لمدة طويلة من تاريخ الصراع في لبنان، خصوصا زمن الوجود السوري.

أما البطريرك الراعي فاستخدم لغة وتوجها مختلفين عن توجه صفير، لكنه لم يخرج عن ثوابت بكركي، فعلى صعيد السلاح مثلا هو أيضا طالب بحصره في يد الدولة.

وعن علاقة المسيحيين بالعالم العربي، قال الدويهي إن صفير لم يكن ضد مبدأ انتماء المسيحيين للعالم العربي، لكن هموم طرحه كانت مثقلة بمتاعب المرحلة السابقة، وكان يركز على مبدأ تثبيت سيادة الدولة، والاستقلال. أما البطريرك الراعي، المتحرر من تبعات تلك المرحلة، فقد عبر عن مواقفه بارتياح أكبر، وركز على عمق الانتماء المسيحي للعالم العربي.

ويخلص الدويهي إلى أن لدى البطريركين مواقف مختلفة، وأولويات مختلفة، وكل منهما عبر عن مواقفه بطريقته الخاصة ووفق أولوياته، لكنهما لم يخرجا عن ثوابت بكركي.

ويلاحظ الشيخ بلال شعبان الأمين العام "لحركة التوحيد الإسلامي" (من حلفاء حزب الله) أن هناك تحولات ملحوظة من قبل الجميع في بكركي، ولأول مرة تبرر البطريركية المارونية سلاح المقاومة طالما أن هناك احتلالا، وكذلك السلاح الفلسطيني طالما لم تتحقق عودة الفلسطينيين. وعلى مستوى التكامل مع العالم العربي، نسمعها تقول بوضوح اليوم إن المسيحيين هم جزء من العالم العربي، وهذا ليس غريبا لكن التأكيد عليه بوضوح هو الجديد.

وختم بقوله "إننا نلمس تحولات هامة في بكركي، وهي تبشر بخير على الجميع، على الأقل لم تعد بكركي منبرا خاصا بفئة سياسية معينة كالسابق".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة