متعة النص المتجددة   
الاثنين 1/5/1437 هـ - الموافق 8/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:01 (مكة المكرمة)، 11:01 (غرينتش)

*إبراهيم صموئيل

إذا كنا نعاود الاستماع إلى الأغنيات لأكثر من مرة, وفي أكثر من وقت, ومهما مضت عليها العقود، فإنما نفعل لاستعادة المتعة. في حين من النادر جداً أن نقوم بمعاودة قراءة قصة قصيرة أو رواية لمرات عديدة. وإذا ما حدث فليس للاستمتاع مجددا, وإنما في الغالب لإنجاز دراسة أدبية, أو كتابة مقال نقدي.

بيد أن بعض القصص القصيرة والروايات -وهي نادرة نسبيا- تجذبك لقراءتها بين فترة وأخرى لتهبك ألق المتعة ونشوة البهجة ونكهة الذائقة الأولى، ومن ثم لتحفر في أعماقك وترسخ في ذاكرتك مزيداً, فلا يتمكن مرور الوقت وتراكم القراءات من محو أثر ذلك العمل في روحك. بلى, على ندرة, غير أنه يحدث أحياناً.

من تلك القراءات قصة قصيرة بعنوان "الحب الأول" لكاتبها المعروف إبراهيم عبد القادر المازني (1889-1949) كان قد نشرها في مطالع القرن الفائت ضمن كتابه "صندوق الدنيا". ولعلّ الأهم والأبرز هو سويتها الفنية العالية -رغم أنها من بدايات القصة القصيرة العربية- وكذلك أثرها العميق في قارئها، كما أقدّر، والذي يبقى ملازما له وباعثا فيه على ذلك الحزن الشفيف الذي انتاب بطلي القصة اللذين يعيشان حالة حب تُلامس شغافَ القلب في رقتها.

وسواء في افتتاح القصة، أو في لغة سردها, أو في الحوار الحار، الحيوي، والمتوتر الذي يدور بين شخصيتيها العاشقتين، أو في تمحور القصة حول حدث أو بارقة خاطفة, أو في خاتمتها -على الأخص- الساحرة التي تدوم كوشم... فإن القارئ يذهب مع الحدث، ويندغم فيه، ويتأثّر به تأثّرا يدعوه -مرة تلو أخرى- للعودة إلى قراءتها بغية الاستمتاع بلحظاتها, وتأمل فيض مشاعر بطليها, ودفء العلاقة بينهما، ثم الحزن العميق الذي تنتهي قصتهما إليه.

اليوم، وبعد مرور ما يزيد على سبعين عاما على البدايات الناضجة لفن القصة القصيرة في عالمنا العربي، نادرا ما تستوقفك قصة أو تحرك وجدانك ومشاعرك

الحب الأول
وما زاد في دهشتي من هذه القصة هو أن إمتاعها المتكرر لم يقتصر على ذائقتي ومشاعري كعربي فحسب, بل امتد تأثيرها إلى طلاب أجانب من بلدان مختلفة, جاؤوا لدراسة اللغة العربية وآدابها، فتمكثُ في ذاكرتهم فترات طويلة، حتى إذا ما تطرق الحديث إلى الأدب العربي ومنجزه القديم والجديد، أو إلى المشاغل العاطفية للإنسان في مجتمعاتنا العربية والأخرى الغربية، تذكّروا المازني, وعرّجوا على قصته الأثيرة لديهم "الحب الأول" مثالا أو شاهدا على موضوع الحديث الدائر بيننا.

وإذا ما كان أحد مقاييس أو معايير نجاح العمل الأدبي -كما يرى البعض- هو مكوثه في ذهن وذاكرة قارئه, فإن ما يمنح العمل سمة التفوق والامتياز, في اعتقادي, هو حفز قارئه على إعادة مطالعته أكثر من مرة, في أكثر من وقت, لجني الاستمتاع به مجددا.

في الشعر مثلا, من المؤكد أن الرغبة في استعادة متعة الإيقاع والتناغم -فضلا عن المعنى- هي ما تحض على معاودة قراءة قصائد الشعر القديم أو الحديث, وذلك لما لهذا الجنس الأدبي من صلة بفن الموسيقى والنغم والأوزان.

غير أن قارئ القصص والروايات لا يُعاود الاطلاع على نصوصها سوى لسببين اثنين على الأغلب: إما كتابة نقدية تتطلب مراجعة النص, أو رفعة إبداعية قوية في النص, تجذب القارئ إليها لتمتعه مرة جديدة, كما أمتعته في المرة الأولى.

اليوم، وبعد مرور ما يزيد على سبعين عاما على البدايات الناضجة لفن القصة القصيرة في عالمنا العربي، نادراً ما تستوقفك قصة أو تحرك وجدانك ومشاعرك، وتسكن في ذاكرتك، وتحفز ابتسامتك كلما استدعيتها إلى ذهنك، أو تمسح ملامحك بغلالة من حزن أو شوق أو أسى كلما تذكرتها. نادرا ما تقرأ قصةً ثم تشعر بعد فترة أنك بحاجة لمعاودة قراءتها سواء لنفسك أو لصديق لك.

لا يقتصر الأمر على فن القصة بالتأكيد, معظم ما يُنشر من أدب في مختلف الأجناس دخل في متاهة لا يُعرف لها أول من آخر وتحت عناوين متعددة، وصارت أية كتابة يمكن لصاحبها أن يُدرجها تحت أي جنس أدبي بصرف النظر عن انتمائها إليه أو نأيها عنه, وذلك بذرائع لا يمكن لدارس أن يُحصيها، بحيث بتّنا حقاً أمام حابل وقد اختلط بنابل اختلاطاً أشد ما يبعث في الروح الأسى المُر.

هل من المغالاة القول إنه -وبعد عقود من تاريخ الأدب العربي الحديث- لا يبدو معظم نتاج الراهن الأدبي ابنا شرعيا للمنجز الأدبي الماضي, لا بمعنى الاستنساخ والتكرار والتبعية، بل بمعنى الانتماء الإبداعي، والنهوض بالسوية، والغور في العمق، والبلاغة في التأثير، والسكن في الوجدان والذاكرة على نحو أشد وألصق؟

وهل من المغالاة القول إن كمّا مما يُنشر يغلب عليه الاستسهال, وعدم بذل الجهد.. تغلب عليه الشهوة إلى المطبوع, ولو بأي ثمن كان, ولو على أي مستوى جاء، الأمر الذي يُفقره ليس فقط إلى إمكانية منح المتعة مجددا مع كل معاودة للقراءة, وإنما إلى الإمتاع حتى مع القراءة الأولى.
____________
كاتب وقاص سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة