"قناديل ملك الجليل".. حكاية أخرى لفلسطين   
السبت 1434/2/8 هـ - الموافق 22/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:02 (مكة المكرمة)، 9:02 (غرينتش)
غلاف رواية "قناديل ملك الجليل" لإبراهيم نصر الله (الجزيرة)
 أحمد الشريقي-الدوحة
 
كانت روايته البديعة "زمن الخيول البيضاء" لتصبح خاتمة الملهاة الفلسطينية التي أنجز منها ثماني روايات بديعة (حتى الآن) لولا سحر الحكاية الذي ما زال يأسر الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر ألله فيذهب بالحكاية إلى مداها الأبعد وإلى إرهاصات تاريخية تشكل حكاية فلسطين وشعبها.
 
أنجز نصر الله "قناديل ملك الجليل" لتكون رواية هادئة ومطمئنة يستريح فيها الروائي والمتلقي على عتبة التاريخ وقد أثقلهما معا جرح الحكاية النازف حتى الآن، عبر روايات تعاين الحاضر وألمه عبر واقع ينزف وتاريخ قريب.

وفي روايته هذه، كما في ملهاته مجتمعة لا يسعى إبراهيم نصر الله إلى "أسطرة مهزوم" بقدر ما يقدم حكاية عن منتصر "يقاتل من أجل أن لايضيع حقه"، ذلك أن عدم ضياع الحق انتصار.

تبدأ "قناديل ملك الجليل" بحلم ويتحقق منه الكثير، وتنتهي بمقتل الظاهر خيانة على يد قائد جنده (الدنكزلي) وما بينهما تفاصيل، وحروب ونجاحات وخيبات وحب كثير

حكاية مشروع نهضوي
تقدم بداية الرواية بطلا أسطوريا هو ظاهر العمر الزيداني يرضع حليب الجياد، محيلا إلى أسطورة حي بن يقظان -وإن كان الأخير يرضع حليب غزالة- غير أن الأسطرة (رضع حليب الخيول وغيرها) تتوسل نفسها من حكايات شعبية أيضا، وتختفي حين يؤنسن الروائي بطله وينسب أفعاله العظيمة بتوحيد الشام وحلم لم يكتمل بضم مصر إلى إنسان يملك من الهمة وسعة الأفق، بمثل ما يملك من بعد أسطوري.

تدور حكاية ظاهر في القرن الثامن عشر وفضاؤها فلسطين -قراها ومدنها وساحلها والشام أيضا ومصر- غير أن البداية في طبريا مطمئنة وساكنة على بحيرتها والتي ستصير مدينة في ثلاثينيات القرن الماضي تضاهي نيويورك -بحسب مذكرات أنيس الصايغ- ولعل لذلك ينسب بشكل ما لظاهر الزيداني الذي بنى مدينة تستعصي على جيوش آل عثمان في عز جبروتهم.

وفي الرواية حكاية عن ملك الجليل والعرب عموما الذين يعانون ظلم العثمانيين في نهايات إمبراطوريتهم، فينهض ابن الخيول ويوحد قرى فلسطين ومدنها ويمد ملكا لها بين بحر الجليل وعكا، مؤسسا لإرهاصات مشروع توحد لو أنه اكتمل لكان أول مشروع نهوض عربي سبق به تجربة محمد علي باشا الذي سار على خطى الظاهر، وفي الرواية تتقاطع ملامح المشروعين عبر أحداث تاريخية أيضا، إذ بدأت إرهاصات محمد علي ببناء دولته المستقلة عن العثمانيين في مصر.

تبدأ "قناديل ملك الجليل" بحلم يتحقق منه الكثير، وتنتهي بمقتل الظاهر خيانة على يد قائد جنده (الدنكزلي) وما بينهما تفاصيل، وحروب ونجاحات وخيبات وحب كثير أيضا يشع من ثنايا الرواية المرشحة ضمن قائمة البوكر الطويلة للرواية العربية والصادرة عن منشورات دار العلوم.

هذه رواية لا يكون قارئها كما كان قد دخلها، يبدؤها عاريا من التاريخ والجغرافيا وفي خاتمتها سيحمل خارطة لفلسطين بكل قراها ومدنها وشوارعها

الروائي والتاريخي
تنتمي الرواية إلى ما يمكن أن يسمى بالرواية التاريخية، إذ تدور حكايتها عن بطل ذكرته الوثائق التاريخية، ومكان معلوم هو بلاد الشام ومصر فضاء روائيا لها، لكن الروائي يقدم درسا بليغا في الرواية التاريخية وجدل المؤرخ والروائي، حين يتوسل مما هو معلوم عن بطله مائة صفحة، وأسماء حقيقية تسنده لبناء روايته.

غير أن مخيلة نصر الله المستندة إلى ثقافة عميقة وجلد باحث دؤوب تتيح له رتق فجوات المؤرخ، فيستنبط من ظروف موضوعية وفهم للزمن المتداول بناء روايته، ولا يكاد يجادل مؤرخ ما إذا كانت نجمة وبشر والدنكزلي ونفيسة وغيرهم كثيرون من أبطال الرواية أشخاصا عاينوا مرحلة الظاهر أم لا، وأبعد من ذلك قد يتوهم مؤرخ أن هؤلاء سقطوا من متن حكايته.

ولولا أن ابراهيم نصر الله ابن مخيم الوحدات لظن المتلقي أن الروائي سبعيني خرج للتو من فلسطين التي يحفظها شبرا شبرا، وربما يكون كاتب الظاهر في غزواته وترحاله كما كان القاضي الفاضل لدى صلاح الدين الأيوبي.

لا يقع نصر الله إذاً وهو ابن النكبة وأحد ضحاياها في مطب إسقاطات فجة للواقع، ولا تكاد تجد في الرواية أماني مسقطة عن بطل هو الظاهر ليعيد لم الشتات العربي ويحرر فلسطين.

لكن الروائي المفتون بالخيول ودهشة الطبيعة يحيل روايته إلى سينما، ويبني المعارك بمخيلة مصور سينمائي محترف، فسرد المعارك يحيل قارئه إلى صور حية يكاد الدم فيها يسيل على يديه ويسمع تغاريد العصافير ويرسم بحيرة طبرية ويتخيل أسماكها ولربما استنشق رائحة النافق منها.

في الرواية ينير "صاحب براري الحمى" و"حارس المدينة الضائعة" و"الشرفات" وغيرها قنديلا من قناديل ملك الجليل، مضيئا عتمة في تاريخ فلسطين. وفي الضوء تستفز إمكانات شاعر مرهف، فيحيل عناوين فصوله إلى مقاطع شعرية وملكات ناقد سينمائي، فتتحول لوحات روايته إلى قصص حب مرهفة، ومثقف متسامح رفيع يعطي بطولة حكايته للنساء، وأصحاب مذاهب وطوائف أخرى يشتركون مع ظاهر السني في إنجازاته.

هذه رواية لا يكون قارئها كما كان قد دخلها، يبدؤها عاريا من التاريخ والجغرافيا وفي خاتمتها سيحمل خارطة لفلسطين بكل قراها ومدنها وشوارعها، ومعها تاريخ أيضا وحكاية يعرف هو كيف صارت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة