الكوني للقذافي: أليست السلطة مُهينة؟   
السبت 24/3/1432 هـ - الموافق 26/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 21:22 (مكة المكرمة)، 18:22 (غرينتش)
الكوني يرجح أن أعوان القذافي وأبناءه هم من يقفون خلف تصلبه ضد الشعب (الجزيرة-أرشيف)

حاورته: نور الهدى غولي
 
بكثير من الغضب والانفعال والألم تحدث الروائي الليبي إبراهيم الكوني للجزيرة نت عبر الهاتف من العاصمة العمانية مسقط حيث يوجد الآن، فقد استغرب كتابات عدد من المثقفين وعتاب بعض الجهات عليه بسبب ما يقولون إنه "تأخر" في إدانته لنظام القذافي.

ويردّ صاحب "المجوس" بلغة لا مواربة فيها، عن كل ما أسماه "الترهات" التي يرددها من لم يقرأ نتاجه الفكري ولا نشاطه الموازي الذي يصب كله في نقد السلطة.. كل السلطة. موجها خطابا إلى القذافي "ما الذي تفعله بمن ساندوك وهلّلوا لك قبل 42 عاما؟". ويفجرها في وجوه كل العرب "لا جدوى من ثوراتكم إن لم تعضدها ثورة روحية"!.

وبكل الأحوال، تظل شهادة الكوني في القذافي قيمة على الصعيدين الفكري والتاريخي لاعتبارات عدة، فالروائي عرف الزعيم عن قرب، كما أنه افترق عن نظامه فكريا على الأقل حسب ما يؤكده الكوني في هذا الحوار:

الآن وليبيا تحترق.. ينتظر الكثيرون أن يسمعوا رأيكم فيما يحدث في بلدكم ليبيا، التي عشقها الكثيرون عبر كتاباتكم، فكيف تصفون ما يحدث الآن؟ ولماذا يقتل الزعيم شعبه اليوم؟

"
هل من أحد في العالم يرضى أن يقتل شعبه بالرشاشات وهو أعزل. إن المأساة هي مأساة "السلطة" التي تزيّف وعي مالكها إلى حد أنه يتوهم أنه يستطيع امتلاك العالم
"
الكوني:
بالله عليكم.. ألم أتحدث بعد؟! كنت أول من أصدر بيانا مندداً بما يحدث في ليبيا، ودعوت للوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء ليبيا خلال فعالية ثقافية في مسقط. أنا لا أردّ على الحاسدين الذي يستصغرون ما أقوم به أو يلغونه. أنا صاحب حضور في الإعلام الغربي لأنهم يقيّمون الأفراد ويضعونهم في المكان الذي يستحقونه. أنا أول معارض في ليبيا ورواياتي مصادرة هناك.. أنا ابن النصوص التي كتبتها، فلا يستطيع كاتب أن يكتب نصوصا ناجحة إذا لم يكن قد عاشها حقا.

يأخذ عليكم البعض قربكم -في فترة ما- من النظام الليبي، ويشيرون إلى رفض الروائي الإسباني خوان غويتسولو جائزة عالمية فقط لأنها تحمل اسم حاكم مستبد مثل القذافي، فيما قبلتم أن ترأسوا لجنة تحكيم الجائزة ذاتها، فهل تعتقدون أنّ ذلك كان متسقا مع القيّم التي كثيرا ما دافعتم عنها في كتاباتكم؟

الكوني: لم أكن يوما رئيس لجنة تحكيم هذه الجائزة.. أنا من اقترحها على القذافي فعلا في لقاء جمعنا من أجل إعادة الاعتبار لليبيا، جلست مع القذافي وأخبرته أن ليبيا ليس عندها شيء يبيض وجهها، ويجب اتخاذ كل خطوة من أجل ذلك، واقترحت أن ننشئ جائزة تحمل اسم الجائزة العربية للآداب، ووافق وزير الثقافة.
 
ولكنني فوجئت لاحقا بتسمية الجائزة "جائزة القذافي العالمية"، فطلبت مقابلة القذافي مرة أخرى، وكان معنا أحمد قذاف الدم شاهدا، واقترحت عليه أن يحذف اسمه من الجائزة والعودة إلى الاسم الذي اقترحته في البداية، وشرحت له الأمر من جانب أن الأسماء يجب ألا توضع على كل شيء، وأنّ للأسماء قدسيتها.

وهو ما لم يستطع أحد أن يفعله. لكن الوزارة تحججت بعدم إمكانية تغيير الاسم لسببين، أولهما: أن الجوائز تسمى بأسماء من أسسوها. ثانيهما: أنّ قرار إنشاء الجائزة صدر بتسمية القذافي ولا يمكن التراجع عنه. فكلّمت مدير مكتب القذافي، وقلت أنا منسحب من القضية ما دامت الجائزة بهذا الاسم، وكذلك انسحبت بعض الأسماء التي رشحتها للجنة التحكيم.

وليعلم هؤلاء الذين يلصقون بي تهمة التخاذل، أنّني رغم كوني لست سياسيا، فإنني عانيت من الظلم والقمع، ففي عام 1970 اضطررت إلى الهجرة إلى الاتحاد السوفياتي (سابقا)، وكثيرا ما تعرضت للملاحقة لأسباب عرقية (بسبب انتمائي إلى أمة اسمها الطوارق)، وأول كتاب منع في ليبيا سنة 1970 هو كتابي "نقد الفكر الثوري"، ثم تلاه منع باقي كتبي تباعا إلى هذا اليوم، وآخرهم رواية "من أنت أيها الملاك" التي عبّرت عن إدانة الاستبداد في أسوء صوره بما لم تعبر عنه أي رواية عربية، حسب آراء النقاد العرب والأوروبيين.. وهو ما ينسحب أيضا على رواية "الورم" التي هي أكبر إدانة للسلطة.

الكوني مع المثقفين العرب والمصريين في القاهرة لدى تسلمه جائزة الرواية العربية  (الجزيرة نت)
شيء مؤلم ما يقال، والحمد لله سيسقط النظام يوما من الأيام. ومن يرغب في معرفة من يكون إبراهيم الكوني، فستظهر الوثائق من سجلات الأجهزة الأمنية الليبية، ليعرفوا من هو أكثر شخص ملاحق أمنيا من قبل هذه الأجهزة، ولحد الآن العدو رقم واحد للنظام الليبي هو إبراهيم الكوني. لكن لا يعلن ذلك طبعا، وأنا الوحيد الذي يحمل روحه على كفه ويقاتل النظام منذ جاء في 1969 وأنا لا أزال يافعا حينها.

 
هل آلمتك مثل هذه الأحكام..؟
 
الكوني: أنا موجود في سويسرا لأسباب صحية، ولست هاربا، أنا مريض بالتوتر بسبب الليبيين، حاملا صليبي على ظهري أقاتل وحدي.

وكل هذا الذي يقال شيء يبعث على الجنون، والعالم العربي بهذه الطريقة لن تفيده الثورة على الأنظمة وحدها، لأنه بحاجة إلى ثورة روحية، وإذا لم تتحول الثورات الحالية إلى ثورة روحية فلن يتغير الكثير، فالسياسة ليست كل شيء، هناك شيء أسمى من السياسة.. هناك الأخلاق.. يجب على الإنسان أن يكون أخلاقيا.. إيمانويل كان يقول: "لا نأتي إلى هذه الدنيا لكي ننال السعادة ولكن نأتي لنؤدي الواجب.."، الواجب الأخلاقي بالدرجة الأولى.. والبعد الأخلاقي غائب في الدول العربية.

أنا أستغرب كل هذه الضغائن.. كيف تتحول الضغائن والمكائد إلى إيديولوجيا! هل هناك اغتراب عن الحقيقة أكثر من هذا؟!، ويجرأ هؤلاء الأوغاد على الطعن في وفائي لليبيا.. أنا روح ليبيا، أنا ضميرها، العالم يعرف ليبيا من خلالي أنا، ولكن ليبيا الحقيقية وليس ليبيا القذافي أو ليبياهم. وأنا استطعت أن أوصل حقيقة الصحراء التي يجب أن تكون عنوانا لكل الوطن العربي لأنّه كله صحارى، ومن رفع لواءها وعرفها للتاريخ هو هذا العبد الضعيف.

 
هم لا ينكرون ذلك، ومن باب هذه المكانة التي تحظون بها، كانوا ينتظرون منكم تحركا أقوى؟

الكوني: إبراهيم الكوني مبدع وليس سياسيا، وهل شهدتم أحد الكتاب الكبار في العالم يدلي بدلوه في كل حدث سياسي؟، وأنا أول من أصدر بيانا بخصوص الثورة.

 
ما يحدث حاليا ليس بالأمر الهيّن.. فكيف ترى أبعاد ثورة الشباب اليوم؟
 
"
ليس غريبا أن يحترمني القذافي، كان يحترم الصادق النيهوم الذي كان مستشاره، وكان يحترم خليفة التليسي ويحترم الكثيرين. ويحترمني أنا لأنني لدي سمعة دولية
"
الكوني:
لقد أفنيت 45 عاما من عمري، وأنا أناضل في سبيل رد الاعتبار الثقافي لليبيا الملغاة من خارطة الثقافة العالمية والعربية، واستطعت وحدي أن أحقّق ذلك دون مساعدة أحد، بل في ظل الاضطهاد والملاحقات ومكائد هؤلاء. وشباب ليبيا الآن وعبر هذه الثورة استطاعوا أن يستردوا ليبيا من اغترابها السياسي الطويل، أما الثقافي فقد سبقت إليه.

ما هي الرسالة التي ترغبون في توجيهها إلى شعبكم في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ ليبيا؟

الكوني: هل من أحد في العالم يرضى أن يقتل شعبه بالرشاشات وهو أعزل. ومثلما قلت في حديث لإحدى القنوات الأوروبية أمس إن المأساة هي مأساة "السلطة" التي تزيّف وعي مالكها إلى حد أنه يتوهم أنه يستطيع امتلاك العالم، وهو لا يدري أنّ امتلاك العالم خطر، لأن امتلاك الشيء يميت الشيء، والشيء الذي نميته يميتنا.
 
وكل أعمالي ضدّ السلطة ليس فقط كمفهوم أخلاقي ولكن أيضا كمفهوم فلسفي. إذا كان هناك محرض على الثورة في ليبيا في يوم من الأيام فهي أعمال إبراهيم الكوني، التي تصلح أن تتخذ إنجيلا للثورة.
 
كيف تتصورون مآل ثورة الشعب الليبي؟
 
الكوني: ليبيا ستكون بسلام وستبقى موحدة، والليبيون هم أكثر الناس تسامحا في العالم وتاريخهم يشهد على ذلك، والانتماء القبلي في ليبيا ليس انتماء جذريا بل هو انتماء إلى عائلة، والليبيون عبر التاريخ كانوا يعيشون مع بعض وينسقون مع بعض ويحبون بعضهم البعض، وجيرانهم العرب وباقي العالم، ليبيا عبر التاريخ كان فيها إثنيات وأعراق ثقافية مختلفة من بربر وأمازيغ وعرب وأفارقة وأوربيين وطليان وأتراك، وحتى يهود.

 ليبيا كانت مضرب مثل في التجانس والتآلف، وهي بلد صبر كثيرا وغفر كثيرا وامتحن صبره كثيرا، وعوّل على الإصلاح كثيرا، لكنّه كان دائما يجهض ويتبخر، فإلى متى يوعد الليبيون ويخذلون. وهذا لا ينطبق على ليبيا وحدها بل على كل الوطن العربي.

طيب.. كيف كانت طبيعة علاقتك بالقذافي؟
 
الكوني: يحترمني كمفكر.. ومن لا يحترم المفكرين؟ إننا رمز ليبيا، ليس غريبا أن يحترمني القذافي، كان يحترم الصادق النيهوم الذي كان مستشاره، وكان يحترم خليفة التليسي ويحترم الكثيرين. ويحترمني أنا لأنني لدي سمعة دولية والليبي الوحيد المترجم (إنتاجه) إلى 40 لغة هو أنا. وهذا ليس فخرا وإنما واجب، الأوروبيون لا يجاملون أحدا، وكذلك اليابانيون والأميركان. أنا لست في حاجة للدفاع عن نفسي لأن كتبي تدافع عني، والمبدع موجود في نفسه وليس في شخصه.

 
وما هي الكلمة التي ترغب في توجيهها للقذافي اليوم؟
 
الكوني: يجب أن يضع في اعتباره أولئك الذين وقفوا معه في بنغازي سنة 1969، وهلّلوا له عندما نادى بالثورة، أولاد هؤلاء هم الذين يقتلهم رصاص المرتزقة اليوم.. ألا تبدو السلطة مُهينة ومرعبة إذا قيست بالحقيقة وإذا قيست بشيء اسمه الوفاء؟!.

 كتاب إبراهيم الكوني الفائز بجائزة زايد (الجزيرة نت)
هذه أقوى رسالة يمكن أن توجه له.  أنا لا أريده أن يمضي إلى النهاية في معاندة الواقع. كان بالإمكان تلافي الدماء منذ البدء بطريقة ما. كنت داما أتحدث عن الإصلاح. وعلى فكرة، فقد عرضت علي العديد من المناصب ورفضتها، وحتى ابن القذافي عرض علي منصبا في الفترة الأخيرة لكنني رفضت أيضا. لأني لست معنيا بالمنصب السياسي ولا بالمال ولست معنيا بشيء في الدنيا غير الحقيقة، وأيّ شيء يغيّب عني الحقيقة لا أستطيع أن أمضي فيه.

ردّدت دوما: الإصلاح! الإصلاح!.. وكم هلّلنا لابنه عندما طرح مشروعا إصلاحيا، ورأى فيه الناس أنه حقيقي وفيه أمل. لكنه أجهضه قبل أن يبدأ. ولهذا فإن هذا الطرح الآن جاء متأخرا، وأستغرب إعلانا في التلفزة الليبية عن زيادة المرتبات والمنح.. لقد جاء هذا متأخرا جدا.

المسألة ليست مسألة مرتبات. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ولكن هناك الحقيقة، وهناك الحرية وكبرياء الإنسان. والليبيون تسامحوا معه طوال 42 عاما، وانتظروا كل هذه المدة، وكانوا طوالها يحاولون أن يجدوا له مبررا أو حجة أو عذرا. هل هذا الشعب يستحق الآن أن يوجه له الرصاص. أنا في غاية الغم. أنا لا أنام.

انطلاقا من معرفتك بشخص القذافي، ما هو السيناريو الأرجح في نظرك لما سيُقدم عليه؟

الكوني: لا أعتقد أنّ القذافي هو من يصرّ على الموقف الذي هو عليه الآن. وإنّما لديه مستشارون من الناس الذين حوله، وربما بتأثير بعض أبنائه، لا أدري بالضبط. ولكنني أستغرب أن يصر على الوقوف ضدّ إرادة شعبه، وفي نفس الوقت يقول: أنا لست رئيسا، ولو كنت كذلك لانسحبت منذ زمن. وأنا أرد عليه: "لا يا سيدي، اعتبر نفسك رئيسا وانسحب".

وقد كان هذا ممكنا له إلى وقت قريب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن حاليا لا أدري بالضبط كيف ستكون الأمور. ولكن يجب على القذافي أن يذكر أن هؤلاء الذين يوجه إلى صدورهم البنادق هم أبناء أولئك الذين ساندوه طيلة 42 عاما. هو يعتقد -أو هم أقنعوه- بأن خصومه هم من حركوا الثورة، ولهذا لا يتوانى عن قمعها، وكان يجب أن يتعظ بما وقع بمصر وتونس وتلافي كل هذه الدماء. والحقيقة أن الإنسان عندما يحرّر يتحرر. وعندما يخلص يده من الناس فإنهم يخلصون أيديهم منه، وبذلك يفكّ الارتباط معهم ويرتاح.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة