استقالة باراك حركة محسوبة قد تكون قاتلة   
الأحد 1421/9/14 هـ - الموافق 10/12/2000 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

 أيهود باراك
يعتبر كثير من المراقبين استقالة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك المفاجئة مقامرة سياسية كبيرة أو ربما تكتيكا انتحاريا. ويقول المحللون إن باراك الذي أدرك أنه قد استنفد جميع الفرص للبقاء في السلطة حرم بتلك الحركة الكاميكازية أعضاء البرلمان متعة الإطاحة به. لكن الأمل ما زال يراوده في استمالة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات للتوصل إلى اتفاق سلام عجز الرجلان عن التوصل إليه حتى الآن. 

ويقول هؤلاء إن منطق باراك يقوم على أن عرفات ربما يكون أكثر استعدادا للتوصل لاتفاق الآن بدلا من التعامل مع منافس أقل تجاوبا قد يهزم باراك في الانتخابات القادمة.

ويعتقد على نطاق واسع أن تحرك باراك يهدف أيضا لقطع الطريق على رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو الذي يتفوق عليه في استطلاعات الرأي ومنعه من منافسته في الانتخابات. غير أن المحللين يقولون إن فرص باراك ضعيفة في كلتا الحالتين.

أما الفلسطينيون الذين دخلت انتفاضتهم شهرها الثالث فيساورهم الشك, شأنهم شأن كثير من الإسرائيليين، في نجاح خطة باراك المزدوجة سواء مع عرفات أم مع الناخبين الإسرائيليين. ويقول المفاوض الفلسطيني صائب عريقات في هذا الصدد "لسنا في عجلة من أمرنا". ويرى الرئيس الفلسطيني في السياق نفسه أن استقالة باراك تعين أن مفاوضات ستراوح مكانها إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.

وعلى الصعيد الإسرائيلي يرى المحللون أن الكنيست قد يصدر تشريعا يتيح لنتنياهو خوض الانتخابات في كل الأحوال.

على أي حال فما من أحد في إسرائيل أبدى إعجابه بخطوة باراك بوصفها ضربة سياسية بارعة. ويقول شيمي شاليف المحلل الدبلوماسي في صحيفة معاريف إن التشوش الناجم عن هذه الخطوة المفاجئة يعيد إلى الاذهان أزمة الانتخابات الأميركية ويستدرك قائلا "لكنهم هناك لا يعرفون الخاسر بعد".

ويبدي شاليف قدرا كبيرا من التشاؤم تجاه مستقبل باراك إذ يقول "يبدو شخصا محكوما عليه بالإعدام يطلب من جلاده الإسراع بتنفيذ الحكم".

ويشير باراك، حديث العهد بألاعيب السياسة في إسرائيل, في معرض تسويغه لخطوته إلى أنه يسعى للحصول على تفويض جديد لجهوده من أجل السلام التي فشلت في التوصل لاتفاق في قمة كامب ديفيد. وقال إن من الأفضل وإسرائيل تعيش أزمة خوض حملة انتخابية لمدة ستين يوما فقط لاختيار رئيس الوزراء بدلا من حملة انتخابية أطول كثيرا لإجراء انتخابات عامة.

ويقول شالوم يروشالمي المعلق السياسي بصحيفة معاريف في معرض وصفه لخطوة باراك "قام رئيس الوزراء إيهود باراك بخطوة تتسم بالشجاعة والجبن.. خطوة قانونية ومخادعة صادقة ومتناقضة متفائلة ويائسة في آن واحد".

وبقراره الاستقالة الآن وإجراء انتخابات خلال 60 يوما وجه باراك ضربة وقائية لأكبر منافسيه بنيامين نتنياهو إذ يحظر القانون الإسرائيلي ترشيح غير أعضاء البرلمان لمنصب رئيس الوزراء في انتخابات خاصة. لكن هذا القانون أصبح عرضة  للهجوم ووصف بأنه غير ديمقراطي حتى من جانب بعض من أشد منتقدي نتنياهو في الساحة السياسية وفي الصحافة.

وقال أرييل شارون الزعيم المتشدد الذي خلف نتنياهو على قمة حزب ليكود إنه سيؤيد إتاحة الفرصة لأي شخص لترشيح نفسه في الانتخابات لاختيار رئيس الوزراء سواء كان عضوا في الكنيست أم لا.

وقد يحاول الكنيست إحباط ضربة باراك الوقائية وإتاحة الفرصة لنتنياهو لخوض الانتخابات سواء بتغيير القانون أو بإرغام باراك على إجراء انتخابات لرئيس الوزراء والكنيست في الوقت نفسه.

ولكن حتى إن فاز باراك بمنصب رئيس الوزراء في انتخابات خاصة فسيجد نفسه ثانية في مواجهة كنيست ببنية حزبية لا تختلف عن بنيته الراهنة إذ لا يعتبر سوى ربع أعضاء المجلس أنفسهم ضمن ائتلافه. ويهب بعض الإسرائيليين إلى حد انتقد باراك وشارون في تلك اللعبة السياسية الموجهة ضد نتنياهو ويقول ناحوم بارنيا في مقال بصحيفة يديعوت الأكثر انتشارا في إسرائيل "مع الاحترام لمصالح باراك أو شارون فلا ينبغي لأي ألاعيب من كتب القانون أن تحول دون خوض نتنياهو للانتخابات إذا كان هو المرشح المفضل للناخبين اليمينيين. وإلا فمن نحن.. أميركا؟"

وبالعودة إلى رهان السلام يقول بارنيا "إذا علم عرفات أن الانتخابات قادمة وأن شارون أو نتنياهو سيتولى السلطة في غضون شهرين فربما يدرك أن من الأفضل بالنسبة له التوصل لاتفاق.

ويلقي معلق إسرائيلي آخر على صفحات يديعوت أحرونوت أيضا وهو سيما كادمون الشك حول احتمالات إحراز تقدم في عملية السلام ويقول "تحدث باراك عن السلام أمس وكأنه معه في جيب سترته والحقيقة أنه لا يملكه".

على أي حال فإن المعلقين الإسرائيليين يتوقعون أن لا يغيب باراك عن الساحة السياسية في إسرائيل ويقولون إنه أيا كانت نتيجة الانتخابات فمن المؤكد أن يظل باراك موجودا على الساحة السياسية في إسرائيل لفترة طويلة رئيسا للوزراء أو زعيما للمعارضة أو شريكا في حكومة وحدة وطنية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة