أمجد ناصر ويوميات عن حصار بيروت   
الجمعة 1434/1/3 هـ - الموافق 16/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:30 (مكة المكرمة)، 11:30 (غرينتش)
 
في كتابه "بيروت صغيرة بحجم راحة اليد.. يوميات من حصار عام 1982"، يصف الشاعر الأردني أمجد ناصر مشهد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 بأنه كان أشبه بنهاية مصغرة للعالم إذ كانت نيران القصف كثيفة "تتجاوز الانتقام" وتهدف إلى ما يصفه بالإفناء والتركيع.

ويقول إن أحدا لا يدرك معنى أن "تصبح الحياة مجرد مصادفة سعيدة إلا الذين كانوا هناك" وشهدوا تجربة الحصار أو الحياة تحت القصف. وهنا يبدو كأن الشاعر ابن السابعة والعشرين آنذاك أدرك أن "بيروت صغيرة بحجم راحة اليد".
 
ويسجل في كتابه كيف جلس رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون الذي كان قائدا لتلك العملية في قصر بعبدا "ببزته الخضراء وحذائه المغبر وراء مكتب الرئيس اللبناني والتقط صورة لتاريخ عربي مهان"، وهنا أدرك المؤلف أن حقيقة جديدة أُضيفت إلى سلسلة المهانات.. إنه "الحصار الإسرائيلي لعاصمة عربية" قائلا إنها لحظة فريدة تصلح لإنتاج الكوابيس وإنضاجها.
 
ويقول ناصر إن بيروت في ذلك الوقت "لم تكن كل بيروت. كانت في الواقع مدينة منقسمة إلى شطرين، يتبادلان الريبة والشكوك العميقة.. والرصاص أيضا"، في إشارة إلى الحرب الأهلية التي بدأت في السبعينيات.

بيروت يومها كانت عربية بمعنى انشباكها العضوي في المشترك العربي.. القضية الفلسطينية.. الصراع العربي الإسرائيلي.. بقايا أحلام الوحدة.. سؤال الهوية

حرب شاملة
ويبدأ الكتاب بكلمة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يقول فيها "حين ألقيت النظرة الأخيرة على المدينة قبل أن أغادرها بكيت. كانت تلك من اللحظات النادرة في حياتي التي جرت فيها دموعي بهذه الغزارة.. إن حصار بيروت ومغادرتي لها قد فتحا جرحا عميقا في قلبي.. نظرت إلى المدينة وأنا على ظهر السفينة وشعرت كأنني طائر مذبوح يتخبط في دمه".

ويقول أمجد ناصر إن إسرائيل "قررت أن تقوم بالاجتياح الأخير (1982)، أن ترمي كل الأوراق على الطاولة، ومع تقدم الجيش الإسرائيلي بمختلف أسلحته في اتجاه بيروت بدا لنا أن اجتياح العام 1978 -الذي شهدته بأم عيني كمراسل لمجلة الهدف في جنوب لبنان- أشبه بنزهة قياسا بهذا الاجتياح.. هذا شيء آخر لم نره من قبل. هذه أرماجدون صغيرة"، في إشارة إلى أرماجدون أو هرمجدون، وهي كلمة عبرية تعني بالمفهوم التوراتي نهاية العالم في معركة فاصلة بين الخير والشر.

ولم يكن المحاصرون يتوقعون أن تطول أيام الحصار، فيقول المؤلف إنها "لم تعد حرب أيام. يبدو أنها حرب شاملة لم نعرفها في حروبنا مع إسرائيل من قبل.. فالقوات الإسرائيلية تحكم الحصار على أناس في حالة دفاع عن النفس وتطول إقامتهم في الملاجئ ولا يعرفون من أين يأتي القصف"، الذي يشبهه بالعقاب الجماعي، "حيث أغلق الإسرائيليون بوابات العبور وأقاموا على خط العبور بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية".

ويورد المؤلف أسماء رفاق الحصار وهم من أغلب الأقطار العربية، ولا يفوته أن يحمل متاعه من دواوين الشعر "(الشاعر العراقي) سعدي يوسف مفيد جدا في الحصار ليس لأنه يكتب باستمرار في المعركة... بل لأنه ترجم دواوين شعرية مهمة أحملها" ومنها دواوين لليوناني قسطنطين كفافي والألماني ريلكه والفلسطيني محمود درويش واللبناني أنسي الحاج والتركي ناظم حكمت.

وفيما يشبه تلخيصا للمدينة، يقول ناصر إن بيروت "يومها كانت عربية بمعنى انشباكها العضوي في المشترك العربي.. القضية الفلسطينية.. الصراع العربي الإسرائيلي.. بقايا أحلام الوحدة.. سؤال الهوية. لكن بيروت تغيرت كما تغيرت عناوين الصراع في لبنان والقوى المنخرطة فيه"، إذ صار اللبنانيون أكثر انشغالا بقضايا محلية.

"
غسان زقطان:
ببساطة قاسية احتفظ الكاتب بالخوف والقلق وإشارات الندم الشخصي والحنين

وفاءً لبيروت
وسجل الغلاف الأخير للكتاب كلمة للكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور وصف فيها اليوميات بأنها "كتاب الوفاء للمدينة التي احتضنت الثورة (الفلسطينية) ويضع (المؤلف) نيابة عنا جميعا وردة على صدرها" وهو يرسم جدارية لبيروت وناسها المحاصرين.

أما الشاعر الفلسطيني غسان زقطان فقال إن "قيمة هذه اليوميات تكمن في عدم ادعائها وفي احتفاظها بطاقة الوهلة الأولى... الأشخاص الذين يتجولون في اليوميات أبسط بكثير من حيلة البطولة وبلاغتها" وأكثر وفاء لأنفسهم وقربا من إنسانيتهم.

وأضاف في مقدمة عنوانها "أبسط من البطولة" أن المؤلف وضع القارئ في الحصار دون "أن يعيد النظر في الحكاية. لم يضع هوامش أو تعليقات تعكس وعيا لاحقا. ببساطة قاسية احتفظ بالخوف والقلق وإشارات الندم الشخصي والحنين. ثمة نزاهة عميقة هنا منحت النص طاقة يصعب أن تجدها في نصوص مشابهة".

وتابع قائلا إن اليوميات تضع حصار بيروت في صيف 1982 "بنزاهة شاب لا يخلو من مثالية وبراعة شاعر كبير أنضج تجربته وطورها حتى أصبح شريكا أساسيا في المشهد الشعري العربي".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة