عبد الرزاق عبد الواحد: الشعر هو الحلم كله   
الأحد 1436/12/28 هـ - الموافق 11/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:42 (مكة المكرمة)، 11:42 (غرينتش)
حاوره/ حسين نشوان-عمّان

رغم بلوغه الخامسة والثمانين، ومعاناة الغربة، وتوزع أبنائه في أربع قارات، لا يزال يتمتع بذاكرة قوية لشعره، خصوصا القصائد التي تتعلق ببلده العراق.

الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد الذي يعد من أبرز القمم الشعرية العربية، يقيم في عمان مع رفيقة دربه، يستقبل الزوار بفرح، لكن الزائر لا يحتاج لكثير وقت ليعرف أن صاحب الصوت "المنبري" و"الجهوري"، قد هدّه التعب والحزن، ويتبدى ذلك في إجاباته المختزلة.

في الحوار،  لم يرد أن يجيب عن كل "السؤالات"، وبعضها لم يطل فيها بسبب وضعه الصحي ربما، وربما لم تسعف الذاكرة أو أراد للصمت أن يجيب عن أشياء تخصه.

في غالبية الحوار، كان يجيب باستشهادات من قصائده، ذلك أنه يرى أن الشعر يتجلى في كل شي، وحتى المعاناة التي يشهدها بلده التي مزقته الصراعات الطائفية "تجري شعرا"، وهو ما يزال يراهن على الشعر الذي يرى أنه "الحلم كله".

 أين ما يحدث في العراق اليوم من الشعر؟

كل شبر في العراق الآن يجري شعرا.. أطفال العراق الآن في "هوساتهم" الشعبية ينضحون شعرا.. الفلوجة بصمودها الأسطوري هي شعر.. العراق الراهن جراح نازفة وقتل واغتصاب في سجون الحكومة الطائفية ورعب وقبور لجثث مغدورين يطوف بها العراقيون دون أن يعرفوا هوياتهم.. هذا المشهد المروع لخصته في إحدى قصائدي "أيها الوطن الجريح":

مَتى مِن طول ِنـَزْفِكَ تَستـَريحُ؟

سَـلامًا أيـُّها الوَطـنُ الجَريحُ

تـَشابَكَت النـِّصالُ عليكَ تَهوي

وأنتَ بكلِّ مُنعـَطـفٍ تـَصيحُ

وَضَجَّ المَـوتُ في أهليـكَ حتى

كأنْ أشـلاؤهـُم وَرَقٌ وَريـحُ

سَـلاما أيـُّها الوَطـنُ الجَريحُ

وَيا ذا المُسـتـباحُ المُستـبيحُ

تـَعـَثـَّرَ أهلـه بَعضٌ ببَعضٍ

ذبيحٌ غاصَ في دَمِه ذبيـحُ

وأدري.. كبـرياؤكَ لا تـُدانَى

يـطيحُ الخافقـان ولا تَطيحُ

لذا سَتَظلُّ تـنزفُ دونَ جَدوى

ويَشرَبُ نَزفـكَ الزَّمَنُ القبيحُ

سَـلامًا أيُّـها الوَطـَنُ الجَريحُ

هذا هو العراق الراهن، وهكذا حال الشعر فيه.

 كيف يتسنى للشعر أن يحيا وسط الموت والدمار والإرهاب؟

متى كان الشاعر مخيّرا في الظروف التي يعيش فيها؟ لطالما كانت الظروف القاسية الرافد الكبير لأجود القصائد، فالشعر هو الشعر في كل الظروف، والشاعر المبدع هو الذي يستثمر كل مفردات الحياة ليترجمها شعرا.

كتبنا للحرب ولم نحارب، وكتبنا للحب وما أحببنا بصدق، أو أننا لم نجد من يحبنا بصدق، أو أننا لم نجد الحب الذي نحلم به

 هل تذكر شيئا من مشاركاتك في الجماعات الأدبية التي كانت ناشطة في الخمسينيات والستينيات؟

كنت واحدا من مجموعة الشعراء الشباب الأولى آنذاك وهم  السياب ورشيد ياسين وأكرم الوتري ومحمود البريكان وشاذل طاقة وبلند الحيدري، وكنا نلتقي في مقهى حسن عجمي ونتعاطى الشعر ونعقد جلسات نقد.  

 وماذا عن بدايات الحركة الشعرية العراقية الحديثة، وتحديدا تجربتي نازك الملائكة والسياب؟

نازك والسياب ليسا بدايات الحركة الشعرية العراقية، وإنما بداياتها تمتد إلى قبلهما بأكثر من عشرين عاما، فهناك الرصافي والجواهري إن كنت تقصد الحركة الشعرية بالمطلق، أما إذا أردت الإشارة إلى المسار الجديد في القصيدة التي أخذت شكل التفعيلة فيمكننا أن نقول إن الريادة اقترنت بالسياب ونازك.

 لا يزال عبد الرزاق عبد الواحد مخلصا لقصيدة التفعيلة والشعر العمودي واستطاع أن يمنحها روح المعاصرة، فهل هناك من مشروع لقصائد ما بعد العمودي والتفعيلة؟

ليس عند عبد الرزاق عبد الواحد شيء بعد القصيدة الموزونة.

 وهل حققت قصيدة النثر مشروعيتها الجمالية والفنية بعد عقود من انطلاقتها؟

ليس هناك شي اسمه قصيدة نثر، الأدب إما شعر وإما نثر.

 وهل لا يزال الشعر وسيلة للحلم في هذا العالم؟

بالنسبة لي، فإن الشعر هو الحلم كله.

 قلت ذات مرة إننا في الشباب كنا نكتب للحرب والآن نكتب للحب وفي المرتين فشلنا، كيف ذلك؟

كتبنا للحرب ولم نحارب، وكتبنا للحب وما أحببنا بصدق، أو أننا لم نجد من يحبنا بصدق، أو أننا لم نجد الحب الذي نحلم به.

لطالما كانت الظروف القاسية الرافد الكبير لأجود القصائد، فالشعر هو الشعر في كل الظروف، والشاعر المبدع هو الذي يستثمر كل مفردات الحياة ليترجمها شعرا

 وكيف تفسر ما يثار عن واقع الشعر.. هل مات جمهوره أم أن الشعر هو الذي قد مات؟

وثبت على الجمهور تماسيح المصائب من كل صوب، في وسائل عيشه وفي عافيته وصحته، بحيث ما عاد يدري إلى أي نوع من مصائبه يلتفت وبأي منها ينشغل، وبقي الجمهور ينتظر بقلق اللحظة التي يتألق فيها الشاعر فتعيده إلى الشعر.

 وكيف ترى المشهد الشعري العربي الحالي؟

لي ثقة كبيرة بالشعر في الأردن، وقد قرأت مجموعة منه أعتبرها من روائع ما كتب في الشعر العربي لحد الآن.

 وماذا عن تجارب الشباب، هل هناك من يلقي الحصى في الماء الراكد؟

نعم، هناك من التجارب التي استطاعت أن تلقي الحصى في ماء الشعر الراكد، لا سيما تجربة الشاعر سمير القضاة الذي وقع بين يدي مجموعة شعرية له تحت عنوان "هنالك مرة أولى".

 بعد أكثر من أربعين مجموعة شعرية، كيف تلخص التجربة في قصيدة؟

ألخصها في قصيدتي للمتنبي: "يا سيدي المتنبي"

موكّلٌ بكَ لا سفحٌ ولا قممُ

ولا فَنارٌ فأستهدي ولا علمُ

وحدي وصوتكَ يطويني وينشرُني

للريحِ والعصبُ المشدودُ والقلمُ"

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة