قبور رومانية وملاجئ لحماية السوريين   
الأربعاء 25/11/1433 هـ - الموافق 10/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:14 (مكة المكرمة)، 11:14 (غرينتش)
طفل يخرج من مغارة حفرتها عائلته بجانب بيتها للاحتماء من القصف  (الجزيرة)

محمد النجار-ريف إدلب

لعل واحدة من الظواهر اللافتة في المناطق السورية المختلفة ولا سيما الريف هي لجوء الغالبية من السكان لحفر الملاجئ أو ما تسمى باللهجة المحلية "المغاور" التي حل حفرها داخل المنازل أو بالقرب منها مكان تعمير البيوت والمنازل وهو نشاط بات شبه متوقف منذ انطلاق الثورة على نظام الرئيس بشار الأسد.

الجزيرة نت جالت على عدد من قرى ريف إدلب ورصدت الانتشار الكبير للملاجئ التي لا يخلو بيت أو مجموعة بيوت من مغارة في قلبه أو إلى جانبه، لكن السكان لجؤوا من جديد لحفر القبور الرومانية وأسفل الآثار في القرى التي تزخر بها وظلت عنوانا للإهمال من قبل النظام كما يقولون ليستفيدوا منها اليوم في الاختباء من القصف الذي يقولون إنه عشوائي ولا يمكن لأحد توقع مكان القذيفة أو الصاروخ التالي.

في أحد المنازل في قرية من قرى إدلب قادتنا صاحبة المنزل لإحدى غرفه التي كانت مغلقة خوفا على أطفالها، وفي قلبها شاهدنا كيف جرى حفر ملجأ تحت الأرض بعمق مترين تقريبا.

قالت السيدة أم أحمد إن زوجها وأقاربه تعاونوا على حفر المغارة وإنهم جهزوها ببعض المواد الضرورية كالماء والمصابيح التي تعمل على المازوت (الكيروسين) عوضا عن بعض الفرش البسيط والأغطية.

أبو هاشم يخرج من مغارة هي عبارة عن قبر روماني قديم اضطر الاهالي لحفره للاختباء فيه  (الجزيرة)

قالت أم أحمد إن السبب وراء حفر المغارة هو القصف العشوائي الذي يطال كل مكان في سوريا وخاصة في القرى والريف الذي يقع تحت سيطرة الجيش السوري الحر.

لاحظنا في المنزل أن أم أحمد تطهو وتسخن الماء على الحطب الذي باتت أكوامه مشهدا طبيعيا في بيوت السوريين خاصة في الأرياف والذين ذهب بعضهم لتخصيص مكان للاحتفاظ به خوفا من المطر الذي بدأ بالهطول على مناطق سوريا الشمالية منذ مطلع الشهر الجاري.

في مكان آخر قام سكان بإحدى القرى بحفر مقبرة رومانية قديمة، وتم تهيئة بعض الأدراج البسيطة للنزول لها.

المقبرة بدت واسعة من الداخل، فرش بها السكان بساطا من البلاستيك يسمى (الحصيرة) ووضعوا بعضا من الفرش البسيط وزيرا من الماء (جرة فخارية كبيرة تستخدم لحفظ الماء).

قال أحد سكان المنطقة إن المكان مهيأ لاستقبال عدد من العائلات ويمكن فصل النساء عن الرجال إن تطلب الأمر المكوث فيه طويلا.

الطفل علي قابلناه أمام أحد الملاجئ التي حفرتها عائلته بجانب منزلها، وكانت عبارة عن بقايا آثار رومانية مهملة.

لم يتحدث الطفل كثيرا لكنه بدا يتخذ من الملجأ مكانا للهو وهو ربما لا يدرك -كما مازحه بعض الموجودين- أنه سيكون بيته الدائم إن عاد القصف لقريته.

تنتشر الملاجئ أو المغاور بشكل أساسي في الأرياف التي باتت تحت سيطرة الجيش الحر وكتائبه المختلفة، وفي المدن أو التجمعات الكبرى يستخدم السكان الطوابق السفلية وخاصة تلك التي تقع تحت سطح الأرض "التسوية" للاختباء من القصف.

في معرة النعمان التي تعتبر أكبر مدن ريف إدلب شاهدنا كيف حول السكان الطوابق السفلية لأماكن جاهزة للاختباء من القصف، بل إن المستشفى الميداني في المعرة اختير له طابق يهبط عن الأرض بطابقين في واحدة من المدارس بالمدينة التي تتعرض في هذه الأيام لقصف متواصل نتيجة الاشتباكات المتواصلة بين الثوار وقوات النظام.

الناشط في تنسيقيات الثورة "أبو هاشم" والذي التقيناه بإحدى قرى ريف إدلب قال للجزيرة نت إن نشاط حفر الملاجئ ازدهر بشكل كبير في الأشهر القليلة الماضية مع اشتداد القصف وعشوائيته كما قال.

وذكر أبو هاشم للجزيرة نت أن السكان حفروا المغاور في منازلهم كما قام سكان بالاشتراك بحفر مغاور كبيرة لمجموعة من المنازل، عوضا عن إعادة حفر القبور والآثار الرومانية في قرى ريف إدلب التي تنتشر فيها هذه الآثار بشكل واسع.

وبنوع من التهكم قال أبو هاشم إن إصلاحات النظام السوري أعادت الناس للعصر الروماني، وبدلا من أن يشيد الناس منازل جديدة دفعهم النظام لحفر الملاجئ التي تتسع بعضها لمائتي شخص يمكن أن يقضوا جميعا إن قام النظام بإلقاء البراميل المتفجرة التي تحفر تحت الأرض بعمق قد يصل لمترين وتنشر الدمار في كل المنطقة من حولها.

وفسر أبو هاشم نشاط حفر الملاجئ بالهلع والخوف الذي تسبب به القصف المتواصل على المناطق السورية المختلفة، وقال "يحاول الناس أن يطمئنوا أطفالهم بأن الملجأ يحميهم من القصف".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة