تدشين جامع القرويين   
الأربعاء 3/9/1434 هـ - الموافق 10/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:57 (مكة المكرمة)، 11:57 (غرينتش)

أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الـ44 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر رمضان المبارك الجاري حسب التقويم الهجري، وهو اكتمال بناء مسجد وجامعة القرويين في مدينة فاس بالمغرب عام 245 للهجرة (859 للميلاد).

يعود الفضل في بناء هذا الصرح إلى السيدة فاطمة بنت محمد الفهري (فاطمة الفهرية) الملقبة بأم البنين، وشيدته بكل ما ورثت من مال عن أبيها.

وقد نال المسجد الذي بني على الطراز الأندلسي رعاية الحكام الذين توالوا على حكم بلاد المغرب، فحرص الكثير منهم على إضافة لمسة للجامع، حيث جرت توسعة المسجد في عهد دولة المرابطين التي حكمت المغرب في القرنين الخامس والسادس الهجريين (1056-1147 للميلاد)، كما أضاف الأمراء الزنّاتيون ثلاثة آلاف متر مربع للمسجد. والزنّاتيون قبائل كبيرة من شمالي أفريقيا وصفهم المؤرخ ابن خلدون بأنهم "بناة مدن".

جامعة القرويين بفاس، اقدم جامعة على الأرض (الجزيرة)

شاهد فيديو الحلقة على يوتيوب

ولا تزال المنارة المربعة التي أضافها الزنّاتيون قائمة إلى اليوم، وتعد أقدم منارة في المغرب العربي.

أخذ الجامع اسمه من مؤسسته السيدة فاطمة التي يعود أصلها إلى القيروان بتونس، وكان أهل القيروان الذين استقروا بفاس يُكنّون بالقرويين.

تفنن المعماريون على مرّ العصور بإضافة لمسات فنية للمسجد والجامعة الملحقة به، والتي تعد أقدم جامعة في العالم، ولا تزال الثريا التي أضيفت في عهد دولة الموحدين تزين المسجد الفاسي في الجامع إلى اليوم.

يحتوي المسجد على 17 بابا، وفيه جناحان يلتقيان في طرفي الصحن الذي يتوسط المسجد. وكل جناح يحتوي على مكان للوضوء من الرخام وهو تصميم يشبه ذاك الذي في الصحن الأسود في قصر الحمراء في الأندلس.

مضى اليوم على تأسيس الجامعة الملحقة بالمسجد نحو 12 قرنا من الزمان، مرّ بها أجيال وأجيال من العلماء والدارسين، وأفادت واستفادت، الأمر الذي جعلها واحدة من أهم منابع العلم في العالم.

وارتبط اسمها بقامات علمية شامخة مثل ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، والنحوي ابن آجروم، وابن البنّاء أشهر علماء الحساب في عصره، ولسان الدين الخطيب، وابن عربي الحكيم (يضاف الحكيم لعدم الخلط بينه وبين ابن عربي الشيخ الصوفي).

منارة جامع القرويين، أقدم منارة في المغرب العربي (الجزيرة)

ولم يقتصر دور الجامعة على بذل العلم للعرب والمسلمين فقط، بل درس فيها من غير المسلمين مثل الطبيب والفيلسوف موسى بن ميمون اليهودي الأندلسي، وغيربرت دورياك الذي أصبح بابا الفاتيكان تحت اسم سلفيستر الثاني، وهو الذي أدخل الأرقام العربية إلى أوروبا بعد عودته من جامعة القيروان بعد أن كان الأوربيون يستخدمون الأرقام الرومانية المعقدة للحساب (I, II, III ... إلخ).

تتألف الجامعة اليوم من عدد من الكليات تدرس علوم الشريعة الإسلامية وعلوم اللغة العربية، وفيها خمسة أحياء جامعية يحتوي كل منها على مكتبة ويصل مجموع المخطوطات والكتب الثمينة التي تضمها مكتبات الجامعة إلى أكثر من 45 ألف مخطوطة وكتاب.

وتمنح الجامعة -المصنفة في موسوعة غينيس للأرقام القياسية على أنها أقدم جامعة على الأرض- الدرجات الجامعية حسب النظام الجامعي الحديث مثل شهادة جامعية للدراسات الأدبية (EUEB) ودرجة البكالوريوس والدكتوراه ودكتوراه الدولة.

وتصدر الجامعة عددا من المنشورات الدورية مثل مجلة القرويين ومجلة كلية اللغة العربية ومجلة منظمة العمل ضد الجوع في كلية الشريعة ومجلة كلية الشريعة ومجلة كلية أصول الدين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة