تُنسى كأنك لم تكن   
الأربعاء 10/5/1437 هـ - الموافق 17/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:42 (مكة المكرمة)، 12:42 (غرينتش)

*إبراهيم صموئيل

حين كتب عباس بيضون ذات يوم من عام 2009 معبرا عن أساه جراء مرور ألف عام على رحيل الشاعر العربي الأكبر أبي الطيب المتنبي مرور الغرباء في حياتنا الثقافية العربية كان جمال الغيطاني - قبل بيضون وبشهر واحد- يكتب في افتتاحية "أخبار الأدب" غير مصدق كيف بدأ حضور نجيب محفوظ يتبدد من ذاكرتنا ولما تمض على رحيله سوى سنوات ثلاث!

لقد تأسى جمال الغيطاني من سرعة الجحود بحق معلم عملاق، وجراء حال ثقافية فاضحة تحمل من الدلالات ما تحمل، وهي أن "محفوظ غاب بالفعل وأن حضوره يضمر وأن الأجيال الجديدة لا تقبل على قراءته كما حدث من قبل لتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وسعد مكاوي وغيرهم...".

ومن المنطلق نفسه تعجب عباس بيضون من الحال الثقافية العربية، حيث "يعلو الكلام عن الهوية والتراث والأصالة في حين يتراكم النسيان على أساطين التراث وينقطع ذكرهم"، مؤكدا على أن الحال لا يقتصر على المتنبي وحده، وإنما يمتد ليشمل مجمل عباقرتنا الكبار بحيث "لم يعد أبو نواس ولا أبو تمام ولا ابن الرومي ولا المعري ولا ابن سينا ولا ابن خلدون ولا ابن رشد... ولا... ولا... إلخ من حواضرنا الثقافية" كما يرى بيضون.

نجيب محفوظ (ناشطون)

ربما يكون مفهوما -وليس مقبولا بالطبع- انقطاع ذكرى شعراء ومفكرين وكتاب من أهم رموزنا الثقافية التراثية بعد مرور ألف عام، وغياب حضورهم عن حياتنا الثقافية الراهنة ومن أذهان الأجيال الجديدة المعاصرة.

بيد أنه من غير المفهوم -فضلا عن كونه من غير المقبول- غياب كبيرنا ونجم أدبنا العربي الحديث الأبرز بلا منازع نجيب محفوظ، من غير المفهوم ولا المعقول أن "يضمر حضوره" لدى الأجيال الجديدة ولما تنصرم على رحيله سوى سنوات ثلاث فحسب!

ولعل من يقرأ الآن أن تضيف ذاكرته إلى السابقين الكبار كبارا في الثقافة العربية الحديثة: سعد الله ونوس، وعبد الرحمن منيف، وصلاح جاهين، ومحمود أمين العالم، وإحسان عباس، وفاتح المدرس، وممدوح عدوان، وعلي الجندي، وفؤاد زكريا، وزكي نجيب محمود... وسلسلة من الأعلام لو تعمدنا التذكر والإحصاء لطالت اللائحة كثيرا، مما يجعل المسألة ظاهرة في منتهى الخطورة.

لقد قيل في هذه الظاهرة ما قيل حتى مل القول منا، قيل إنه لا بد أن تنهض إلى مواجهة هذا الكسل والاسترخاء والإهمال دول ومؤسسات وهيئات ومراكز والعديد من الجهات والأفراد المعنيين بالشأن الثقافي فتنشّط الذاكرة وتستعيد أعمال الأعلام وتسلط الضوء عليها عبر عشرات الطرائق المتاحة.

وقيل في هذه الظاهرة وفي خطورتها إن رحيل الجيل الحالي -القارئ والمتابع والذي رافق وعايش هؤلاء الكبار- سيخلف فراغا مخيفا لدى الجيل الجديد والمعاصر، ذلك لأننا لم نعمل على تنشئة الأجيال الجديدة وفق أرضية ثقافية تذكر هؤلاء الكبار، وتذكر بأعمالهم ومنجزاتهم، وتستعيد حضورهم الثقافي من غيابهم الجسدي.

جمال الغيطاني (الجزيرة)

في بلدان أوروبية وغربية مبادرات خلاقة ومشاريع ضخمة لإحياء الذاكرة، ولشد الاهتمام لدى الناس بعامة إلى ما أنجزه الكتاب والفنانون والمفكرون في بلدانهم من إبداعات، بغية استعادة الحضور الثقافي لمبدعيهم بعد غيابهم الجسدي، لعل "الغيرة" منهم تحفزنا فنقلدهم كما فعلنا في العديد من الجوانب.. ولكن عبثا.

ذلك كله لم يجد نفعا على أرض التطبيق العربية، فظلت الظاهرة تنمو وتتضخم إلى أن قال الغيطاني ما قاله عن النسيان المخزي لذكرى رحيل نجيب محفوظ، وقال بيضون ما قاله عن ذكرى رحيل المتنبي، وسيظل ثمة من يقول، من دون أن يتغير في الأمر شيء، أو تتبدل الحال المزرية، وهو ما يدفع بغير مبدع عربي لأن يكرر في دخيلة نفسه قولة محمود درويش الكاوية "تُنسى كأنك لم تكن".

وإذا كان أمر النسيان والإهمال ينحصر بالمبدع الراحل فإنه لا يقتصر عليه، وإنما يتفشى أثره ليطال المبدعين الأحياء، هؤلاء الذين لم يرحلوا، ولكنهم رأوا ولمسوا ما وقع بحق الراحلين ومنجزهم الأدبي والفكري، رأوا ولمسوا ما آلت إليه جهود وطاقات ومواهب من سبقوهم، وهنا بالضبط والتحديد الوجه البائس الخطير "للتقليد" الثقافي العربي العتيد هذا!

ولعل من المفارقة السوداء أن نجتمع -بضعة كتاب- مصادفة بعيد رحيل كاتبنا الغيطاني، فيدور الحديث عن هذا الأديب المبدع والمجتهد، وعن أعماله الروائية والقصصية الرائعة حتى إذا ما انعطفنا نحو حزننا العميق على غيابه خطرت افتتاحيته إياها عن محفوظ فوجدنا أنفسنا نتبسم بمرارة لكأن لسان حالنا يقول: من تراه سيكتب بعد عامين أو ثلاثة متأسيا من النسيان والإهمال السريعين اللذين لحقا بهذا المبدع الجميل ولما يجف تراب رحيله بعد؟
____________
*كاتب وقاص سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة