المثقفون والمونديال   
الاثنين 1435/8/19 هـ - الموافق 16/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:46 (مكة المكرمة)، 9:46 (غرينتش)

 * إبراهيم صموئيل

لِمَ شاعت فكرة تقول إن الوسط الثقافي آخر الأوساط الاجتماعية اهتماما ومتابعة للنشاطات الرياضية المختلفة -كرة القدم على الأخص- بحيث بات من النادر جدا أن يخطر في ذهن أحد سؤال شاعر أو فنان تشكيلي: من ترشح من المنتخبات المشاركة بمونديال البرازيل للفوز بكأس العالم؟

هل لأن النشاط الرياضي لا يدخل في حقل الإبداع؟ أم لأنه لا يليق "بالهموم الكبرى" التي يفترض أنها شاغل المثقفين؟ أم لأن الصورة النمطية للمثقفين والكتاب لا تتضمن الألعاب الرياضية؟ أم لأسباب أخرى تفضي -في النهاية- إلى نتيجة مؤداها أن الثقافة شيء والرياضة شيء آخر ولا علاقة بينهما كجزيرتين منفصلتين؟

لا أدري تماما، وإن كنت أميل إلى الظن بأن شخصية الكاتب أو الفنان قد ارتسمت لدى عامة الناس على هيئة رجل ملتحٍ، يدخن الغليون، وينأى منفردا أمام بحر، أو على رابية، وهو يتأمل -بصمت طبعا- حال الكون، ويتفكر بشؤون الوجود والعدم مما يسمو كثيرا فوق "توافه" مثل الكرة والنوادي والمسابقات الرياضية!

من طريف العلاقة بين المثقفين والكرة أن المحب منهم لألعابها وبطولاتها يحكي عن اهتمامه بحذر شديد ويحرص على أن يسبغ على شغفه أبعادا فكرية ومعاني ثقافية كمن يدرأ عن نفسه "تهمة" أو يخفف من استغراب الآخرين (خصوصا إذا كانوا مثقفين)

ووفق الصورة النمطية لشخصية كهذه يصبح عسيرا، بالطبع، تصورها وهي تتقافز على المدرجات أو أمام التلفاز، لاعنة تمريرة خاطئة، أو مبارِكة هدفا تحقق، أو صارخة متبرمة من تحيز حكم، أو مصفقة لفوز منتخب ضد خصمه!

ما كرس هذه الصورة لدى عامة الناس العدد الكبير من المثقفين الذين يأنفون من الحديث عن المونديالات والبطولات المختلفة، بل ويستنكرون اهتمام الناس الكاسح بها، والبعض منهم يراها "لهوا خطيرا" يشغل الناس ويبعدهم عن قضاياهم الرئيسة.

ولعل ما يدل على هذا عدم وجود كتاب أو أكثر لكاتب عربي بارز عن شؤون الرياضة وألعابها، واهتمام الملايين من جمهورها بها، ودلالات ذلك وأبعاده مما قرأنا عنه في كتاب إدواردو غاليانو بالغ الأهمية والجمال والعمق "كرة القدم في الشمس والظل.

ومن طريف العلاقة بين المثقفين والكرة أن المحب منهم لألعابها وبطولاتها يحكي عن اهتمامه بحذر شديد ويحرص على أن يسبغ على شغفه أبعادا فكرية ومعاني ثقافية كمن يدرأ عن نفسه "تهمة" أو يخفف من استغراب الآخرين (خصوصا إذا كانوا مثقفين) واستهجانهم لاهتماماته، لكأن لسان حالهم يقول "وهل من المعقول يا أستاذ أن كاتبا مبدعا طويلا عريضا مثلك يمكن له أن يهتم ويتابع لعبة شعبية كهذه؟!).

ورغم ما سبق فإن تعميم حال الجفوة ووجود الهوّة الواسعة بين المثقف والكرة هو افتراضي خالص. ثمة مثقفون غاية في الاهتمام والمتابعة لمختلف البطولات والألعاب ومواسم الدوري العام، وثمة شعراء ومخرجون سينمائيون أعرفهم لا يخفون حبهم واهتمامهم بكرة القدم، بل ويحرصون -مع كل مونديال- على الاجتماع معا لمتابعة مجريات الألعاب والتعليق على وقائعها ونتائجها.

يذكر الأصدقاء المقربون من محمود درويش أنه كان يحب البطولات والألعاب العالمية، ويبتهج بمتابعة مجرياتها، ولا يتردد في الكتابة عن بعض نجومها البارزين وإبداء الإعجاب بفنونهم ومهاراتهم وتألقهم مثل النجم الأرجنتيني مارادونا الذي خصه شاعرنا بمقال عنونه باسمه

أكثر من هذا، فقد عمل عدد من الكتّاب والفنانين على تشكيل فرق رياضية لكرة القدم أو السلة أو غيرهما، واقتنوا الكرات اللازمة والملابس الرياضية، ثم دأبوا على إقامة مباريات في ما بينهم، وعلى نحو دوري دون أن يشعروا بأي غضاضة إزاء نشاطهم هذا.

ويذكر الأصدقاء المقربون من محمود درويش أنه كان يحب البطولات والألعاب العالمية، ويبتهج بمتابعة مجرياتها، ولا يتردد في الكتابة عن بعض نجومها البارزين وإبداء الإعجاب بفنونهم ومهاراتهم وتألقهم مثل النجم الأرجنتيني مارادونا الذي خصه شاعرنا بمقال عنونه باسمه.

والأوساط الثقافية في دمشق تعرف مدى شغف شوقي بغدادي بمونديالات كرة القدم، ودرجة متابعته بطولاتها (حتى توج مرجعا أعلى!) وكيف أنه يُجري الاتصالات مع لفيف من أصدقائه الكتّاب والمخرجين والفنانين ليلتقوا ويتابعوا معا، وينخرطوا بحمية ونشاط في الحديث عن احتمالات الفوز، وعن أثر غياب لاعب عن خط الوسط، أو إصابة آخر في خط الدفاع، وعما إذا كانت خسارة البرازيل أمام فرنسا في المباراة النهائية الشهيرة لمونديال 1998 مدبرة باتفاق سري أم هي الترجمة الفعلية لواقع حال مستوى المنتخبين الكروي؟

ولِمَ لا؟! من نزع عن المثقفين جميعهم الشغف بالرياضة ومونديالات كأس العالم على الخصوص؟ من ألبسهم أثواب النفور من هذا النشاط، والاشمئزاز من اهتمام الملايين به؟ وكيف صار لنا أن نندهش ونستغرب كلما سمعنا كاتبا أو فنانا يتحدث بحماس عن لعبة رياضية؟

بلى، ثمة من المثقفين من لا يهتم إطلاقا, أو يبدي ترفعا، أو هو يداري في إظهار ميله، ولكن ثمة من يترقب ويتابع وينفعل, بل ويحتد في اختلافه مع آراء الآخرين، على غرار كل أنصار الكرة.

وفي الواقع، ما من تعارض بين الشغف بالأدب والفن، وحب الرياضة وكرة القدم، وإن كان الاعتقاد العام الشائع كرس تعارضا، ألسنا نجد بين الكتّاب والفنانين والمفكرين من تحلو لهم ممارسة لعبة النرد بين حين وآخر, أو تسلق الجبال, أو السباحة؟ ألسنا نجد شعراء مرهفي الأحاسيس والرؤى والتعبير يقومون بتنكّب البندقية والمضي نحو البساتين للقيام بصيد العصافير ومن ثم التباهي بتقديمها كوجبة لأعز أصدقائهم.. وما شابه ذلك مما يخالف الصورة النمطية السكونية التي رُسمت للمثقف بشكل عام؟
---------------
* كاتب وقاص سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة