الحاجة إلى ربيع عربي آخر   
الأربعاء 1437/5/17 هـ - الموافق 24/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:31 (مكة المكرمة)، 14:31 (غرينتش)

المحفوظ فضيلي

في الحلقة الـ18 من سلسلة حوارات "الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي" نقف مع الكاتب المغربي محمد عز الدين التازي عند منجزات الربيع العربي، والحاجة إلى ربيع آخر لتصحيح الأوضاع، وتحقيق ما سُرق من أحلام الشعوب.

ويستشرف التازي (1948/فاس) مآل الربيع الآخر المأمول قائلا إنه إن أتى فسوف يتصرف بكثير من النضج لأن الهدف لم يعد إسقاط الأنظمة، بل بات الهدف هو النضال من أجل تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

في تلك السيرورة الربيعية -يرى التازي- الذي ألف عشرات الروايات والمجموعات القصصية، أن للمبدعين دورا في تحقيق الأحلام الثورية من خلال المواكبة الفنية أومن خلال الخروج إلى الشوارع، والتحريض على إسقاط الأنظمة الفاسدة. وفي ما يلي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

قبل اندلاع ثورة الربيع العربي كانت ثمة إرهاصات قوية، تدل على أن حراكا سياسيا قويا سوف يهز بلدانا عربية عاشت مدة طويلة تحت حكم دكتاتوري احتمى بالمفسدين ولصوص المال العمومي.

لم تكن صورة ذلك الحراك الشعبي واضحة، أو يمكن التكهن بتفاصيلها، لكن العيش تحت القهر وغياب الحريات والشطط في استعمال السلطة وتفقير الناس على حساب فئات قليلة من المفسدين، كل ذلك لم يكن ليستمر، ولن يستمر، فلا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر، وهي إرادة الحياة كما صورها أبو القاسم الشابي. كل شيء كان ممكنا، من أجل تحقيق الحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، والشيء الذي لم يكن ممكنا هو أن تبقى الحال على ما هي عليه.

إحراق البوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد التونسية لم يكن سوى لحظة قوية لانفجار ثورة الشعب التونسي ضد نظام زين العابدين بن علي، أدت إلى إسقاطه. ومحاولة توريث الحكم في مصر، هي التي أدت إلى حركات احتجاجية توسعت لتؤدي إلى إسقاط نظام محمد حسني مبارك، والحراك الثوري في ليبيا هو ما أدى إلى زعزعة نظام معمر القذافي.

هذا الانفجار الثوري، سواء في تونس أو ليبيا أو مصر، جاء نتيجة ضغوط وإكراهات مارسها الحكام العرب على شعوبهم؛ لذلك فإن زلزالا عربيا كان لا بد أن يحدث، لخلخلة الأوضاع السياسية في البلدان التي تحكمها أنظمة فاشية، معادية للديمقراطية.

الإرهاص بالربيع العربي كان واضحا في الكثير من أشكال الرفض، والتي واجهتها الأنظمة بآلة القمع الهمجي.

إلى أي حد تعتقدون بأن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

ليس من طبيعة الإبداع الحقيقي أن يواكب الأحداث، ليؤثر في مجراها، لكن المبدعين مثقفون، وهم بكل مجالات اشتغالهم في الثقافة والإبداع مهدوا لثورة حقيقية ضد الفساد السياسي، بما يملكونه من إمكانيات ومجالات للتعبير.

المبدعون -في أغلبهم- شعراء وروائيون وفنانون تشكيليون وسينمائيون، يتعاملون مع الحلم الثوري بما هو ممكن، لذلك اختلفت طرائق صوغهم الرؤى الثورية وأساليب تشخيصها، كما ظلوا يأخذون مسافة من الأحداث من أجل استبطانها ونقلها من عالم الواقع إلى عوالم التخييل.

التقيت صديقي الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد بعد سقوط نظام مبارك، فسألته: "هل أنت بصدد كتابة رواية عن سقوط النظام؟" ابتسم وقال لي إنه لن يكتبها إلا بعد عشر سنوات من الآن، إن بقي حيا. بمعنى أنه لا يؤمن بالروائي الذي يلتقط الأحداث ساخنة، ثم يكتب عنها عملا أقرب إلى التسجيلية منه إلى آفاق التخييل الواقعي الممكنة.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

المثقفون والمبدعون كانوا نشطاء في تحريك وانتشار ثورة الربيع العربي، من خلال فيسبوك وتويتر، فالخروج إلى الاعتصام في الشوارع كان يتم عبر هذا التواصل. مواكبة الإبداع للأحداث جناية عليه، لأنها في الغالب تُسقطه في التقريرية والتسجيلية، وتحدث من إمكانات الصوغ الجمالي للحظة التاريخية. من غير شك، إن تفاعل المثقفين والمبدعين مع اندلاع ثورة الربيع العربي كان قويا، فقد خرج الكثير منهم إلى الشوارع، وقاموا بالتحريض على إسقاط الأنظمة الفاسدة.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

الإبداع العربي بكل تنويعاته، من رواية وقصة قصيرة وشعر وفن تشكيلي وأعمال سينمائية، راكم في منجزه، وعبر مراحل من تاريخ تشكله، الكثير من الرؤى والتصورات التي شهدت على الواقع العربي وتحولاته

اللحظة التاريخية التي جسدها الربيع العربي، وبعد سقوط بعض رموز الدكتاتورية، لم تحقق النشوة إلا عند من كانوا يتهيؤون لبلوغ كراسي الحكم، أما عند عامة الشعب، ومن بين مكوناته المثقفون والمبدعون، فقد تكاثرت الأسئلة المقلقة حول ما سوف تؤول إليه الأمور. كثيرون وضعوا أيديهم على قلوبهم، غير مطمئنين إلى أن الحلم الثوري سوف يتحقق، وأن الربيع العربي سوف يفضي إلى تحقيق طموحات كبيرة، لا يمكنها أن تتحقق بمجرد إسقاط النظام.

مع ذلك، فأنا لست مع من يقدحون في الربيع العربي، ويزدرون منجزاته، فمن كان سيزحزح الرئيس التونسي بن علي عن عرشه الرئاسي، ومن كان يهدّ سطوة الرئيس حسني مبارك ويكشف عن رجاله المفسدين، ومن كان سيجعل معمر القذافي يهرب ليموت ميتة شنيعة؟

الربيع العربي كان هبة ثورية لا يستهان بها، ولا ينبغي تقييمها بما آلت إليه الأمور، بل ينبغي تقييمها في إطار ما أنتجته من حراك سياسي كان مضمرا ثم أصبح في حكم المعلن. الانكسارات شأن من شؤون الثورات في بعض مراحلها، أما الربيع العربي فمآله أن يخرج من رحمه ربيع عربي آخر، يقوم بتصحيح الأوضاع، وتحقيق ما سُرق من أحلام الشعوب من حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية واحترام حقوق الإنسان.

إلى أي مدى -متوسط أو بعيد- ترون أن أهداف الربيع العربي -ديمقراطية وعدالة اجتماعية وحرية- ستتحقق على أرض الواقع؟

لم يكن للربيع العربي أي برنامج ثوري، ولذلك لم تكن له أهداف، سوى هدف إسقاط الأنظمة الفاسدة. الثوار الذين صنعوا الربيع العربي جاؤوا في مرحلة تميزت بالاحتقان والغليان السياسي، وكان الغضب هو السمة الكبرى، المحركة للمواقف والتصرفات.

هدف الربيع العربي كان واضحا، وهو إسقاط الأنظمة الفاسدة، بينما لم يفكر الثوار في قاعدة سياسية لحكم جديد، متوافق عليها بين الأطياف السياسية. ربما، وإن أتى ربيع عربي آخر، فسوف يتصرف بكثير من النضج مع هذا الموضوع، فما عاد اليوم إسقاط الأنظمة هو الهدف، بل الهدف هو النضال من أجل تحقيق الحرية والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

الإبداع العربي بكل تنويعاته، من رواية وقصة قصيرة وشعر وفن تشكيلي وأعمال سينمائية، راكم في منجزه، وعبر مراحل من تاريخ تشكله، الكثير من الرؤى والتصورات التي شهدت على الواقع العربي وتحولاته، فكما المجتمع العربي يصير إلى تحول، فقد شهد الإبداع العربي على هذا التحول، بما يعني تحوله كذلك، من حيث الحساسيات الفنية والجمالية، ومن حيث بناء أشكال جديدة للتعبير عن واقع جديد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة