التركي علي تيومان "على عتبة" الوجود   
الخميس 2/10/1434 هـ - الموافق 8/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:29 (مكة المكرمة)، 13:29 (غرينتش)
غلاف الترجمة الفرنسية لرواية "على العتبة" للتركي علي تيومان (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
نادرة هي الروايات اليوم التي لا يلجأ أصحابها فيها إلى إستراتيجيات سردية وكتابية بسيطة وواضحة بهدف توفير أكبر عدد ممكن من القرّاء لها. إنها حال نص التركي علي تيومان، "على العتبة"، الذي تتطلب قراءته الممتعة جهدا كبيرا، وأحيانا عودة إلى الوراء للإمساك بخيوط حبكتها المعقدة والضبابية.

أحداث الرواية -التي صدرت ترجمتها الفرنسية مؤخرا لدى دار نشر "أكت سود" الباريسية- يمكن اختصارها على النحو الآتي: رجل لن نعرف اسمه أو هويته حتى نهاية النص.

نعرف فقط ما يدور في خلده، وما يتجلى من وصف الراوي له، يستلم من مدينة بعيدة وغريبة رسالة لا تحمل سوى عنوانه، يرى فيها علامة من حبيبة سابقة لم يتخلص من مشاعره نحوها فيقرر السفر إليها للتحرر من عبء ذكرياته معها. لكن لدى وصوله، يتبين له أن الفتاة التي قطع مسافة كبيرة للقائها قد توفيت بعد فترة مرض طويلة.

أهمية هذه الرواية لا تكمن في القصة المسرودة داخلها بقدر ما تكمن في استخدامها كركيزة لتصوير هشاشة العواطف البشرية ومساءلة معنى الوجود

الإنسان الهش
وعن هذه الفتاة أيضا لن نعرف سوى ما ستقوله عن نفسها في عدد من الفصول بصيغة المتكلم، وما سيتفحصه الرجل في غرفتها من أشياء تركتها خلفها وتمنحنا فكرة عن اهتماماتها: أوراق معلقة على الجدران تحمل رسوما بالفحم لقامات بشرية أو تصميم أطروحة كانت تعدها، قصائد تتألف من أبيات قصيرة، ملخصات لروايات قرأتها.

تحتفظ بلوائح بأسماء كتاب ومفكرين، أشياء غريبة مثبتة على الجدران بإبر كما لو أنها فراشات، صور تظهر الفتاة فيها مع رجال مختلفين تثير التعاسة والغيرة في قلب الرجل لنيلهم منها ما كان محظورا عليه، دون أن ننسى دفاتر يومياتها التي يتوقف مليا عندها دون أن تفيده بشيء جديد حول علاقتهما أو حول خياراتها اللاحقة.

فتاة تظهر لنا من خلال جميع حاجياتها ومداخلاتها كمراهقة متمردة ومخادعة سخرت من العالم وشكلت الحياة بالنسبة إليها "مشهدا مسرحيا، لعبة، سيناريو، حكاية، أو أجزاء أوراق صغيرة تنزلق من بين أصابعنا وتبعثرها الريح مهما فعلنا". ويجب أن نقرأ ثلثي الرواية كي نعرف سبب قسوتها وسخريتها: "والد مهووس بالمتعة كان يعود كل مساء إلى المنزل مع امرأة جديدة، وأم ضعيفة وبائسة".

أما الرجل فيتجلى لنا على طول الرواية من خلال استنباطاته التي لا تحصى كشخص لا حساسية له وغير مبال بأي شيء رغم ماضيه الصاخب ولحظات كثيرة معاشة بشغف. شخص يستسلم لمرور الزمن من دون أن يسعى إلى تحقيق أي مشروع ومن دون أن يتجرأ على مواجهة عواطفه بمعايير العقل: "كما لو أني مشاهد غريب لحياتي، كما لو أني أعيش حياة ليست لي".

وبسرعة يتبين لنا أن أهمية هذه الرواية لا تكمن في القصة المسرودة داخلها بقدر ما تكمن في طريقة سردها الشعرية تارة والاستيهامية تارةَ أخرى، وفي استخدامها كركيزة لتصوير هشاشة العواطف البشرية ومساءلة معنى الوجود.

من هنا تأتي طريقة تشييدها كمربكة (puzzle) لا تكتمل قطعها، وبالتالي صورتها، إلا في النهاية وببطء كبير، ومن هنا أيضا قرار تيومان عدم منح شخصيتيها الرئيسيتين أي اسم أو هوية واضحة، لتسهيل التماثل بهما، وعدم  تحديده جغرافيا الأماكن الكثيرة المذكورة داخلها.

ثمة جانب فلسفي أكيد في هذه الرواية لا يتجلى فقط في التأملات الميتافيزيقية الكثيرة التي تعبرها وتغنيها، بل أيضا في توقف تيومان بشكل مسهب عند قصة الفيلسوف الإغريقي أناكساغور

بعد فلسفي
يقودنا هذا إلى الجانب السيكولوجي أو التحليل النفساني في الرواية. فعملية التشييد المعتمدة فيها تستحضر بطبيعتها الضبابية والفوضوية، الحلم الذي يبدو لتيومان خير نموذج لتصوير حياتنا على الأرض، حلم يستحيل الإمساك بجميع خيوطه ودلالاته قبل أن يتبدد.

فمن الماضي لا نتذكر سوى الأحداث التي عشناها والمشاعر التي انتابتنا، ومن الحاضر بالكاد نمسك بشيء لوقوعه فورا في فوهة الماضي، ومن المستقبل لا نملك أي معطى.

وفي هذا السياق، يأخذ عنوان الرواية "على العتبة" كل معناه، ليس فقط لاستحضاره التكرار الملاحظ في بداية عدد كبير من الفصول لمشهد وصول الرجل أمام غرفة الفتاة وفتحه بابها ودخولها دون أن يتمكن من تجاوز عتبة عالمها الحميم ومن الحصول على الأجوبة التي يسعى خلفها، ولكن أيضا لتصويره وضعنا أمام لغز الكون، أي على عتبة باب مغلق لا أحد خلفه يسمع طرقنا عليه.

ثمة أيضا جانب فلسفي أكيد في هذه الرواية لا يتجلى فقط في التأملات الميتافيزيقية الكثيرة التي تعبرها وتغنيها، بل أيضا في توقف تيومان بشكل مسهب عند قصة الفيلسوف الإغريقي أناكساغور الذي كان أول من طرح فكرة الروح المنفصلة عن الجسد والمتفوقة عليه بسرمديتها.

ويأتي البعد الفلسفي أيضا في مناقضته لهذه الفكرة على لسان الفتاة التي تعتبر الروح مجرد تيارات كهربائية داخل الدماغ لا ديمومة لها، بعكس الجسد الذي لا يتوارى بعد الموت بل يشهد فقط تحولا في ترتيبه الفريد.

وحين نعرف أن تيومان درس تاريخ الفن في جامعة السوربون وعاش في أوروبا فترة من الزمن قبل أن يضع حدا لحياته عام ٢٠١١، تماما مثل عشيق الفتاة الأخير في هذه الرواية، يصبح مشروعا التساؤل حول مدى استيحائه من سيرته الذاتية لكتابة نصه، وحول دور هذا النص القاتم في نهايته الحزينة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة