أين ذهب الاحتباس الحراري العالمي؟   
الثلاثاء 2/3/1436 هـ - الموافق 23/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 2:18 (مكة المكرمة)، 23:18 (غرينتش)

كا كيت تونج-سياتل

على مدى الربع الأخير من القرن العشرين، اتجه متوسط درجة الحرارة على سطح الأرض نحو الارتفاع بشكل تدريجي ثابت، ثم توقف ذلك الاتجاه فجأة وعلى نحو أدهش حتى العلماء. فقد استمر تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض في الارتفاع؛ والواقع أنه أصبح اليوم أعلى مما كان عليه لقرون من الزمان، ورغم هذا فإن كوكب الأرض لم يصبح أكثر سخونة على مدى السنوات الـ15 الأخيرة وفقاً للطريقة التقليدية لقياس الاحتباس الحراري العالمي.

ولكن، ما الذي يفسر هذا التحول غير المتوقع للأحداث؟ وماذا يعني بالنسبة لسياسة المناخ في المستقبل؟

إن توقف ارتفاع درجات حرارة السطح حقيقي، ومن الممكن أن نلاحظه في دراسات مسح سطح البحر وفي قياسات الأقمار الاصطناعية لطبقة التروبوسفير، ولكن السبب وراء هذا ليس أن الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري العالمي لم تعد تغير مناخ الأرض، بل أن حرارة السطح هي مقياس رديء للاحتباس الحراري الناتج عن أنشطة بشرية. والواقع أن ما توصل إليه العلماء هو أن الحرارة الزائدة التي يتم توليدها ذهبت إلى المحيطات الأكثر عمقاً بدلاً من رفع درجة حرارة السطح.

وهذا من شأنه أن يشكك في بعض الإستراتيجيات الدولية لمكافحة تغير المناخ، والتي يجري التفاوض عليها الآن، كتلك التي تهدف إلى منع الحرارة العالمية على سطح الأرض من الارتفاع بما يزيد على درجتين مؤيتين أعلى من متوسط ما قبل عصر الصناعة.

نظراً للسعة التخزينية الهائلة التي يتمتع بها المحيط، فإن تحديد كم الاحتباس الحراري الذي قد يظل على السطح على مدار عدة عقود من الزمان مهمة بالغة الصعوبة

أعماق المحيط
وربما لم ينقل العلماء لعامة الناس بشكل واضح أن توقعاتهم للاحتباس الحراري في المستقبل تستند إلى نماذج تمثل فقط ما يسمى "الاستجابة القسرية" في متوسط درجات حرارة السطح العالمية، وهذا يعني التغيير الناجم عن الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري العالمي. ولكن ما يلاحظ على السطح يشمل التغيرات غير القسرية أو الطبيعية مثل تقلبات ظاهرة النينو وظاهرة النينا من عام إلى آخر، والدورة التي تمتد من ستين إلى سبعين عاماً من تقلبات حزام المحيط العظيم الناقل في المحيط الأطلسي.

والواقع أنه من المعتقد الآن أن هذه الدورة تدفن الحرارة عميقا في المحيط بشكل دوري، ولأن هذه الدورة كانت موجودة حتى قبل أن يضع البشر قدراً كبيراً من الكربون في الغلاف الجوي، فهي طبيعية في الأرجح.

ونظراً للسعة التخزينية الهائلة التي يتمتع بها المحيط، فإن تحديد كمّ الاحتباس الحراري الذي قد يظل على السطح على مدار عدة عقود من الزمان مهمة بالغة الصعوبة. ورغم أن هذا التحدي بدأ يصبح موضع تقدير، فإن التوقعات الحالية لارتفاع الحرارة بمقدار الدرجتين المروعتين لا بد أن تأخذ في الاعتبار دورات المحيط المتغيرة.

لا شك أن درجات حرارة السطح تظل مهمة، فهي مقياس أفضل للتهديدات التي يفرضها تغير المناخ مقارنة بالحرارة المعزولة تحت الماء، ولكن بعض التهديدات التي يستنتجها العلماء (وخبراء الاقتصاد) من درجة حرارة السطح تعكس أيضاً تغير المناخ الطبيعي، وبالتالي فلا يمكن تخفيفها من خلال الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

إن الكمّ الإجمالي للحرارة التي يحتويها المحيط يستجيب للتغيرات في مستوى الانبعاثات، وهو بالتالي مقياس أفضل لقياس هذه الاستجابات، والواقع أن المحيطات استمرت في اكتساب المزيد من الحرارة كما هو متوقع، حتى مع توقف درجة حرارة السطح عن الارتفاع.

هناك أمر واحد واضح الآن، وهو أن رصد درجات الحرارة السطحية لا يعطينا تمثيلاً دقيقاً بالدرجة الكافية للاحتباس الحراري العالمي الناجم عن أنشطة بشرية

حرارة المحيطات
يتم قياس المحتوى الحراري في المحيطات من خلال شبكة تتألف من أكثر من ثلاثة آلاف عوامة روبوتية تطفو بحرية ومنتشرة عبر المحيطات والبحار في مختلف أنحاء العالم، حيث تغوص بشكل روتيني إلى عمق يبلغ ألفي متر تحت السطح. ويتم نقل درجات الحرارة التي تقيسها إلى أقمار اصطناعية تدور حول الأرض وتتيحها على شبكة الإنترنت أولاً بأول لأي شخص. وبغرض تسهيل تفسيرها، يمكن تحويل المحتوى الحراري للمحيطات بسهولة إلى درجة حرارة متوسطة بعد قسمته على عامل ثابت. وبمرور الوقت، يصبح بوسع النماذج أن توضح كيفية ربط هذا المقياس العالمي الجديد بالتأثير المناخي الإقليمي للانبعاثات.

الواقع أن البحث العلمي المكثف في محاولة التوصل إلى تفسير لتوقف الاحتباس الحراري العالمي على سطح الأرض قادنا إلى فهم أفضل لطريقة عمل المناخ المعقدة، وهو يؤكد النظرية التي صمدت لفترة طويلة، والتي تشير إلى أن الأرض لها ميزانية طاقة تتأثر بالاضطرابات الإشعاعية في الجزء العلوي من الغلاف الجوي، ولو أن تقسيم هذه الطاقة بين السطح والمحيطات الأعمق كان أمراً بالغ الصعوبة.

ولا أحد يدري إلى متى قد يستمر هذا التوقف، ورغم هذا فإن الدورة الطبيعية سوف تتحول عند نقطة ما، وسوف تكف المحيطات عن امتصاص الجزء الأكبر من الارتفاع في درجة حرارة الكوكب، وسوف تبدأ درجات الحرارة السطحية في الارتفاع من جديد، وعندما يحدث هذا فبوسعنا أن نتوقع أن تستأنف هذه الزيادة الوتيرة السريعة التي لوحظت أواخر القرن العشرين، عندما كانت حرارة السطح ترتفع بنحو 0.17 درجة مئوية كل عشر سنوات.

ومن ناحية أخرى، يظل من غير المعلوم ما إذا كان مجمل الخطر الذي يهدد بيئتنا قد انخفض بسبب هذا التوقف، ويزعم البعض أن ما انخفض سوف يعود إلى الارتفاع في نهاية المطاف، وسوف يستمر التحول الدائم بين دفء المياه وبرودتها -النينو والنانا- في الطبقة الضحلة من المحيط الهادئ الاستوائي في إنتاج تقلبات في درجات حرارة السطح كل عام. ولكن على فترات أطول، يشكل خطر انتقال الحرارة المخزنة حالياً في مياه المحيطات العميقة إلى السطح احتمالاً بعيداً للغاية.

هناك أمر واحد واضح الآن، وهو أن رصد درجات الحرارة السطحية لا يعطينا تمثيلاً دقيقاً بالدرجة الكافية للاحتباس الحراري العالمي الناجم عن أنشطة بشرية. وما دمنا نفتقر إلى فهم واضح للعلاقة بين الانبعاثات الغازية المتراكمة المسببة للاحتباس الحراري العالمي ودرجة حرارة الأرض، فسوف يظل من الصعب تقييم احتمالات حدوث ضرر مرتبط بتغير المناخ نتيجة أنشطة بشرية، أو تطوير الإستراتيجيات المناسبة للحد من هذا الارتفاع.
____________
كا كيت تونج: زميل الجمعية الأميركية للأرصاد الجوية، وأستاذ الرياضيات التطبيقية، وأستاذ علوم الغلاف الجوي المساعد في جامعة واشنطن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة