باسل.. "شهيد" تحت التعذيب   
الأحد 26/3/1435 هـ - الموافق 26/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 21:25 (مكة المكرمة)، 18:25 (غرينتش)

صور لضحايا من فرع الأمن العسكري حيث قضى باسل حتفه (الجزيرة)

أحمد يعقوب- دمشق

ترك عمله في إحدى شركات المبيعات في المملكة العربية السعودية، وعاد إلى مدينته دمشق ليلتحق بركب الثورة منذ ولادتها وليشارك أخاه وجميع الذين انتفضوا في وجه الظلم أحلامهم.

ولم يمض الكثير من الوقت حتى أُلقي على عاتقه عبء أُرغم على تركه له أربعة شبان اعتقلهم الأمن السوري. فلم يكلّ ولم يملّ، وقَبِل التحدي ونجح بامتياز.

باسل ميدانية، اسم مستعار أطلقه عليه صديقه خوفاً على عائلته -التي لا تزال تقطن دمشق- من الاعتقال والتعذيب. وهو الابن البكر في العائلة المؤلفة من سبعة أفراد، فله أخوان وأختان، وهو من مواليد دمشق 1982. عاد إلى وطنه سوريا بعد اندلاع الثورة فيها بأشهر عدة وشارك في الحراك السلمي ولكن بشكل خجول.

علاقة قوية جداً تلك التي ربطت باسل بعائلته، فقد ترك عمله في السعودية ليشارك أخاه خوفه وآماله في الثورة السورية، ويساعده في نشاطاته الثورية، ولكن الأخ الأصغر خاف على باسل من الملاحقة الأمنية فأوكله ببعض الأمور البسيطة التي يصعب على الأمن السوري تتبعها.

يصف أبو محمد أحد أصدقاء العائلة المقربين للجزيرة نت الحادثة التي ألقت بالمسؤولية على عاتق باسل فيقول: "عندما اعتُقلنا أنا وأخوه الصغير وبعض رفاقنا، كان باسل يراقبنا من الطرف الآخر للرصيف، عندها فقط شعر بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وحجم العمل الذي يجب أن يؤديه، ودخل في مرحلة جديدة غيرت كل شيء في حياته".

صورة تظهر آثار التعذيب على جسم أحد المعتقلين في فرع الجوية بحماة (الجزيرة)

أكمل باسل الطريق وحده بعد اعتقال أخيه ورفاقه، إذ عمل بداية في المجال الطبي حيث كانوا يتولون مهمة تأمين مشافٍ ميدانية وتزويدها بكافة مستلزماتها في بعض مناطق دمشق وريفها، والتكفل بتأمين المواد الغذائية للعائلات المنكوبة وأسر المقاتلين المعارضين للنظام السوري.

كما ساهم بشكل بارز في النشاطات الثورية السلمية المختلفة من توزيع للمنشورات ودعوات للإضراب وغيرها.

لم يدم نشاط باسل طويلاً في الثورة السورية لأنه سرعان ما استرعى انتباه الأمن السوري. وفي إحدى المرات اقتحمت مجموعة من الأمن العسكري سرية المداهمة (الفرع 215) منزله وأعملت فيه تفتيشاً دقيقاً، إلا أنها لم تستطع إثبات شيء عليه لأنه كان حذراً جداً. ومع ذلك اعتقلوه بذريعة التحقق عمّا إذا كان مطلوباً للأمن.

في تلك اللحظة لم تعلم أم باسل بأنها المرة الأخيرة التي سترى فيها ابنها حياً. ابنها الذي لطالما سمعته يطلب الشهادة من الله ليل نهار. ومضت الأيام وخرج أبو محمد من المعتقل وبعد فترة قصيرة من خروجه اتصلت به أم باسل لتخبره أن ابنها قد نال ما كان يطلبه.

يصف أبو محمد مشاعره في تلك اللحظة قائلا "لم أستطع تحمل فكرة وفاته، أجهشت بالبكاء وأم باسل كانت متماسكة وتحاول تهدئتي، ثم قدمت إليَّ في مكان سكني وبكينا سوياً وسط الشارع. لم أعرف ماذا أفعل؟ لا يمكنني تصور كيفية موته، هل مات جوعاً؟ أم من التعذيب؟".

ويتحدث أبو محمد عن يوم التشييع فيقول "كان يوم الجمعة، صلينا في المسجد المجاور لمنزله، وكان خطيب المسجد صديقاً لباسل أيضاً. لم يستطع الخطيب أن يتمالك أعصابه، فنعاه كشهيد ودعا له جميع المصلين بالرحمة، فكل من عرف باسل أحبه".

يختم أبو محمد ناعياً صديقه بكلمات قائلا "باسل شاب خلوق مهذب، كان ينسينا الخوف بخفة ظله، لا تملّ الجلوس معه، ولا تسأم أحاديثه المشوّقة، والآن، أصبح في الجنة كما كان يطلب دائماً من الله".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة