أبو سعدة: الحكومة تقدم إعلان نوايا بانتخابات البرلمان المصري   
الخميس 1426/10/9 هـ - الموافق 10/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:43 (مكة المكرمة)، 8:43 (غرينتش)
أبو سعدة: المستقبل أفضل باتجاه الإصلاح السياسي في مصر (الجزيرة)
أجرى الحوار: رافع محمد

قال الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان حافظ أبو سعدة إن الحكومة المصرية وبعد كل هذه التطورات السياسية وتنامي العوامل المؤثرة فيها لم يعد أمامها فرصة للتراجع، لكنه أكد أن البلاد بحاجة إلى خطوات جريئة من قبل الحكومة وجهد كبير وضغط من قبل قوى المعارضة كي نرى الإصلاح الشامل. 

الجزيرة نت التقت أبو سعدة بالعاصمة القطرية الدوحة وأجرت معه هذا الحوار قبل بدء الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية في مصر بساعات.
 
  أليس غريبا أن قوى المعارضة المصرية الآن تطالب وتستدعي الرقابة الدولية لمراقبة الانتخابات البرلمانية التي تستمر حتى أول ديسمبر/ كانون الأول القادم وهي نفسها التي رفضت هذه الرقابة في انتخابات الرئاسة كيف تفسر هذا الموقف؟.
 
"
قامت لجان دولية بمراقبة الانتخابات الرئاسية وأتت تحت سمع وبصر الحكومة، وأصدروا تقريرا بعدها
"
قوى المعارضة غيرت رأيها بناء على شيئين:

أولا: أن لجانا دولية قامت بمراقبة الانتخابات الرئاسية وأتت تحت سمع وبصر الحكومة، وأصدروا تقريرا بعدها وهي بالتحديد الـ"NDI" المعهد الديمقراطي الوطني و"ARI" المعهد الجمهوري وهما أميركيان وأخذوا تصريحات من وزارة الإعلام عن طريق الهيئة العامة للاستعلامات كصحفيين، فموقف المعارضة إذن كان مبنيا على موقف الحكومة، فلما غيرت الحكومة موقفها غيرت المعارضة موقفها.

ثانيا: أن هذا دور لعبناه كمنظمات مجتمع مدني، وأنا أتبنى رأيا أن الرقابة الدولية أصبحت سمة من سمات الانتخابات في العصر الحديث "مائة انتخابات" تمت في أوروبا كلها برقابة دولية والانتخابات (النيابية) اللبنانية (في مايو/ أيار 2005) تمت برقابة الاتحاد الأوروبي والانتخابات (الرئاسية الفلسطينية (التي جرت في يناير/ كانون الثاني) تمت برقابة دولية.

إذن كان منطق المعارضة والحكومة أولا ضعيفا، أظن أنه بعد انتخابات لبنان تحديدا أصبح لدى المعارضة المصرية قبول لمناقشة الموضوع وتغير موقفهم، وأصبحت الرقابة على الانتخابات متفقا عليها محليا ودوليا، وهذا تغير مهم وإيجابي من وجهة نظري، أي عدم رفض الخارج لمجرد أنه خارج، لأن المجتمع الدولي صار قائما على التواصل والتأثير والتأثر، ولم يعد ثمت مبرر لتجاهل دور مهم ومؤثر في نزاهة الانتخابات وشفافيتها بوجود الرقابة الدولية.
 
ألا ترى أن تردد المعارضة على أي حال يربك المواطن الناخب صاحب الشأن الأول ويجعل دور منظمات المجتمع المدني غامضا لديه؟.
 
لا أظن ذلك لأن المعارضة أولا كانت مراهنة على إمكانية الاستجابة لضغوطها وتفهم موقفها في رفض الرقابة الأجنبية، والحكومة لم تتفهم وأصرت على رأيها بالتحديد في مناقشة تعديل المادة 76 (الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري المباشر)، وتعديل قانون المشاركة السياسية، وتعديل قانون الانتخابات، وبالتالي تجاهلت كل مطالب المعارضة وأصرت على وجهة نظرها، فوجدت المعارضة نفسها في زاوية ضيقة، ولأجل أن تحدث تغييرا حقيقيا لا بد من الاستعانة بالمجتمع الدولي.
 
وأرى أن هذا هو الدرس الذي خرجوا به في الفترة الأخيرة، أنه بدون التعاون مع المجتمع الدولي واستدعائه وتأثيره على القرار السياسي في مصر في جانب الإصلاح السياسي والتقدم نحو الديمقراطية لم يكن ذلك ليحدث.

أما الشارع فلا أعتقد أنه كان مقتنعا بوجهة النظر تلك، لأن الشارع المصري يعيش حالة عزلة عن المؤسسات الموجودة، وعنده انعدام ثقة في التغيرات الموجودة التي كان يمكن أن تحسن الأوضاع، ويرى أنها تغيرات شكلية وينتظر التغيرات الجوهرية.
 
الآن تشهد هذه الانتخابات البرلمانية لأول مرة صناديق شفافة ورقابة مجتمع مدني وحياد جهاز الأمن، أليس هذا كافيا في مواصفات الشفافية والنزاهة؟
 
"
إجراءات الحكومة المصرية للشفافية في الانتخابات البرلمانية يمكن أن أعتبرها  خطاب نوايا أو إعلان نوايا، لكنها لن تأتي بنتائج في الانتخابات ترضي المجتمع المصري وتغير في الهيكل الموجود
"
يمكنني أن أعتبر كل هذه الإجراءات خطاب نوايا أو إعلان نوايا من قبل الحكومة، لكنها لن تأتي بنتائج في الانتخابات ترضي (طموحات) المجتمع المصري وتغير في الهيكل الموجود بحيث تكون هناك مشاركة حقيقية، وكل ما يمكن توقعه هو أن تأخذ المعارضة عددا معينا من الكراسي ويفوز الإخوان المسلمون بعدد من الكراسي، ولكن لن يحدث تغير جوهري في مجلس الشعب، لأن هذا التغير مرتبط بأكثر من معطي.
 
الأول: تعديل الدستور وإعطاء دور حقيقي للبرلمان غير الدور الذي يقوم به.
 
الثاني: تفعيل دور المجلس المحلي، لأن مجلس الشعب يلعب دور المجلس المحلي دون دوره، والمجلس المحلي لا يلعب أي دور على الإطلاق وليست له (مجلس الشعب) قيمة حقيقية في وضع السياسات ومحاسبة المسؤولين التنفيذيين وتقديم ميزانيات للمشاريع وغير ذلك.
 
الثالث: وهو أساسي هو هذا التداخل بين الدولة والحزب الحاكم، طالما أن الحزب الحاكم يستعين في الانتخابات بمؤسسات الدولة وموظفي الدولة وإمكانات الدولة فستبقى المنافسة غير حقيقية وغير متكافئة بين المعارضة والدولة.
 
إذن الإصلاح الشامل لم يأت بعد وما زال ينتظر خطوات جريئة وقوية من قبل الحكومة التي عبرت عن نواياها بالصناديق الزجاجية وإشراف منظمات المجتمع المدني على الانتخابات، بتعديلات بسيطة غير جوهرية للحصول على نتيجة نقول إنها مشاركة سياسية واسعة للشعب المصري، ولا زلنا ننتظر، وهو (الإصلاح) يحتاج لتغيرات جوهرية لم تأت بعد.
 
الآن انتخابات رئاسة وصفت إلى حد كبير بالنزاهة، وقالت الرقابة إنها لم تشهد إلا تلاعبا –تلاعبا وليس تزويرا- بما بين 10% و15% وبالأقصى 20%، والأجواء تبشر بانتخابات برلمانية أكثر شفافية ونزاهة صناديق زجاجية ورقابة "معلنة"... إلخ، كيف تقيم الحالة السياسية في مصر بعد كل هذا؟ هل لديك إحساس بأن العجلة لن تدور إلى الوراء مرة أخرى؟
 
أنا أتصور أن هذا هو الحاصل في مصر، ونتطلع لمزيد من الإصلاح، والذي يعطي مؤشرات إيجابية لهذا هو مرونة الدولة، فهي لا تأخذ موقفا صلبا رافضا متعصبا.

ومن هذه المؤشرات التظاهرات السلمية التي أصبحت مباحة الآن، بل وصلت إلى التظاهر أمام وزارة الداخلية، نعم هناك بعض الضغوط والانتهاكات، لكن أصبح التظاهر حقا مشروعا، وهذه آلية ضغط في يد المعارضة لا زالت لم تستخدمها بشكل كامل.
 
"
النظام أصبح يتكلم بلغة أقرب إلى لغة المعارضة في الإصلاحات، وأصبح الاختلاف في التوقيت
"
ومن المؤشرات أيضا أن النظام أصبح يتكلم بلغة أقرب إلى لغة المعارضة في الإصلاحات، وأصبح الاختلاف في التوقيت، النظام يقول ليس الآن ولا زال أمامنا وقت، والمعارضة تريده (الإصلاح) الآن، فبمزيد من الحوار ومزيد من الضغط يمكن أن نصل فيه لشيء.
 
إذن لم يعد أمام الحكومة من وجهة نظري فرصة للتراجع، حيث تصاعد الزخم الشعبي عن طريق الحركات السياسية، حركة كفاية والحركة الشعبية ومنظمة حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والقضاة ونادي القضاة، فدخلت مؤسسات مؤثرة وفاعلة.
 
ثم الثورة الإعلامية والميديا، أصبح الناس يرون على شاشات التلفزيون ما يحدث في أوروبا الشرقية وما يحدث في آسيا وما يحدث في دول ديمقراطية وغير ديمقراطية، أصبحوا يسمعون لكل الآراء التي كانت محجوبة عنهم وممنوعة عليهم، وأصبح للإعلام دور، المرئي منه والمكتوب، وما كان يسمى بخطوط حمراء أصبح غير موجود، وأصبحت عندنا صحيفة في مصر تنتقد الوزارة والحكومة وتنتقد السياسات وتتحدث عن الفساد.
 
التدخل الدولي الموجود الآن، مجموعة الثماني ومنتدى المستقبل وضغوط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يريدون شراكة مع الاتحاد معه واتفاقية منطقة حرة مع أميركا.

هذه مجموعة عوامل تجعل الرجوع للخلف له ثمن بالغ الخطورة على الحكومة وعلى الدولة، ولا أعتقد أن الحكومة تستطيع أن تخاطر بهذا، وبالتالي أظن أن المستقبل سيكون أفضل في اتجاه الإصلاح السياسي في مصر.
 
ألا ترى أن كل ما تتحدث عنه هو موقف غض الطرف والسكوت الحذر من قبل الحكومة عما كانت لا تسكت عنه ألا ترى أن الحكومة تبقي الزمام وخيوط اللعبة بيدها، فلم تأتنا بمبادرة لتغيير قوانين لإصلاح الحياة السياسية؟
 
"
لا زلنا نتكلم عن إصلاح سياسي يبدأ بتعديل الدستور، ثم تعديل حزمة من التشريعات والقوانين
"
هذا صحيح، ولكن غض الطرف هذا تطور، وعدم التدخل بالقوة في المظاهرات، وعدم القبض على المعارضين السياسيين كما كان يحدث من قبل، كل هذا تطور إيجابي، ولكن لا زلنا نتكلم عن إصلاح سياسي يبدأ بتعديل الدستور، ثم تعديل حزمة من التشريعات والقوانين، تغيير قانون الأحزاب السياسية وقانون مجلس الشعب وقانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون الجمعيات الأهلية وقانون الصحافة وقانون العقوبات، هذا كله لا بد أن يتم في تصور شامل لإعادة بناء المجتمع المصري، إعادة بناء الدولة إعادة هيكلتها، وهذا كله لا يمكن أن يبدأ إلا بتعديل الدستور.
 
لا بد أن أذكر أن الرئيس مبارك في خطابه قبل أن ينتخب رئيسا قال إنه يعد بتعديل الدستور وتعديل القوانين، لكن "كله في وقته"، إذن اختلافنا في "متى"، من وجهة نظري أن يتم هذا خلال السنتين القادمتين لا بد أن يكون هناك جدول زمني: تعديل الدستور، ثم الاستفتاء عليه، ثم إعادة الانتخاب مرة أخرى لمجلس شعب على أساس دستور جديد يأتي مجلسا معبرا عن كل القوى السياسية وفي حضور المرأة والأقباط، هذا هو ما يمكن أن نستند إليه كمجلس يدير الحوار في القوانين التي نريد أن نغيرها.

هذا مرهون بجهود ضخمة تبذل من مؤسسات المجتمع المدني ونادي القضاة والأحزاب السياسية والنقابات المهنية، وبالضغط للإسراع بتنفيذ هذا الجدول والبرنامج. 



_________
الجزيرة نت
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة