الروائي السوري نهاد سيريس: الأدب وسيلة للتغيير   
السبت 1434/7/9 هـ - الموافق 18/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:24 (مكة المكرمة)، 10:24 (غرينتش)
نهاد سيريس: القضية السورية هي الفائز الحقيقي في جائزة كوبورغ راكيت الألمانية (الجزيرة)
حاوره/هيثم حسين
يشغل موضوع الاستبداد والحياة في ظل الدكتاتورية حيزا كبيرا من أعمال الكاتب السوري نهاد سيريس، ويعمل على تصوير واقع الحياة في ظل القمع وتشريح بنية الفساد في أعماله السردية والتلفزيونية كمسلسل "الخيط الأبيض" و"خان الحرير".
 
وفي روايته الأخيرة "الصمت والصخب" التي نال عنها قبل أيّام جائزة كوبورغ راكيرت الألمانية، لم يغادر سيريس توجهه الإبداعي ليكتب عن صمت الكاتب وصخب السلطة الدكتاتورية.
 
ويرى صاحب "رياح الشمال" و"خان الحرير" و"السرطان" أن للأدب وظيفة تنويريّة وهو يدفع نحو التغيير، ولا يخفي حزنه على ما يجري في بلده عموما، وبخاصّة مدينته حلب التي كرّس لها معظم أعماله، ويرى أن الحروب لا تكتفي بقتل البشر، بل تبيد الروح الإنسانية التي تستمرّ من خلال الثقافة.

الجزيرة نت التقت الروائي والسيناريست السوري بمناسبة فوز روايته بجائزة كوبورغ راكيرت الألمانية، وأجرت معه الحوار التالي:

فزت مؤخرا بجائزة كوبورغ راكيرت الألمانية عن روايتك "الصمت والصخب"، ما الذي تعنيه لك هذه الجائزة بوصفك مبدعا وكاتبا سوريا؟

تختلف هذه الجائزة عن مثيلاتها، فهي تقدم إلى عمل مُترجَم إلى الألمانية من ضمن أعمال أخرى من نفس الوطن واللغة الأصل التي ترجمت الرواية منها. هذه السنة تكرّست الجائزة للأدب السوري المترجَم إلى الألمانية، أي أنّ الذي فاز في الجائزة في الحقيقة هو القضية السورية وتعاطف العالم مع الشعب السوري.

الأدب يأتي مبكرا جدا أو متأخّرا جدا، وسوف يتقدّم الروائيون السوريون في المستقبل بأعمال أدبية مهمة، ولكن بعد أن تنجلي الأمور وتحسم معركة اليوم

لقد كانت القائمة التي تنافست للحصول على الجائزة جميعها من الأدب السوري، ولو كان كاتب آخر قد فاز فهذا يعني أن الجائزة ستذهب إلى سوري آخر، وهذا رائع وستبقى سوريا والأدب السوري هما الفائزان الحقيقيان هذا العام لما يعنيه ما يجري في سوريا للعالم أجمع وقلق الشعوب الأخرى وتضامنها مع الشعب السوري.

وقد لاحظت ذلك مؤخرا أثناء وجودي في جامعة براون في الولايات المتحدة، فأنت تشعر بقلق الناس وتضامنهم ويأتون إليك دائما ليعرفوا أكثر عن هذا البلد الذي تدمره الحرب التي أشعلها النظام، ويمكنك أن تتصور معنى أن يقوموا بالصلوات كل يوم أحد في جميع دور العبادة من أجل الشعب السوري.

ترجمت العديد من الأعمال السورية بما فيها روايتك "الصمت والصخب"، إلى أي مدى تساهم الترجمات في التقريب بين وجهات النظر وتجسير الفجوات بين الشرق والغرب؟

عليك أن تنظر إلى الترجمات اليوم كطريق ذي اتجاهين، وفي الماضي كنا نقرأ الكتب المترجمة إلى العربية لاكتشاف سرّ تقدم الآخرين ولسبر عوالم الشعوب الأخرى، بينما اليوم هم يترجمون أدبنا ليتعرّفوا أكثر على شعوبنا وعلى ثقافاتنا.

هذه الترجمات تنشط في الأحداث الكبرى، ولك في أفغانستان مثال حيّ، فبعد أحداث 11 سبتمبر وغزو أفغانستان ترجم الغربُ الأدبَ الأفغاني فاكتشف أشعار البشتون وخالد الحسيني -رغم أنه كتب روايته بالإنجليزية- كما أنّ الترجمات من الأدب العربي قد زادت بشكل ملحوظ بعد الربيع العربي والآن فإنهم متشوّقون للتعرّف على الأدب السوري.

الرواية باعتبارها حاملا إبداعيا مهما، هل يمكن أن يكون لها دور في ظروف الحرب أم إنّها "ترَف" لأيام السلم فقط؟

في زمن الأحداث الكبرى والعنيفة ومنها الحرب، أعتقد أن الرواية تتراجع لصالح الكتابات الأخرى التي لها طابع تحليليّ وتقدّم رأي كتابها بشكل مباشر كالمقالات وأعمدة الرأي

الأدب ليس ترفاً سواء أيام السلم أو الحرب، فهو يقوم بوظيفة تنويرية ويدفع نحو التغيير، وتبدأ الرواية بالاستشراف قبل الأحداث الكبيرة، ورواية "الصمت والصخب" نشرت في عام 2004 أي قبل ثماني سنوات قبل الأحداث الأخيرة، وهي تتحدث عن الاستبداد في بلادنا، وتدعو للتغيير.

كما أن مسلسل "خان الحرير" الذي كتبته وتم عرضه في منتصف التسعينيات أدان الاستبداد ودعا للديمقراطية من خلال دفع الناس للحنين إلى الزمن الديمقراطيّ في سوريا، ومقارنته بأسلوب الحكم المخابراتي الذي أدّى فيما بعد إلى الكوارث التي نعيشها الآن.

أما في زمن الأحداث الكبرى والعنيفة ومنها الحرب، فأعتقد أن الرواية تتراجع لصالح الكتابات الأخرى التي لها طابع تحليليّ وتقدّم رأي كتابها بشكل مباشر كالمقالات وأعمدة الرأي. ومن هنا فإنني أعتقد بأنّ الأدب يأتي مبكرا جدا أو متأخّرا جدا، وسوف يتقدّم الروائيّون السوريون في المستقبل بأعمال أدبية مهمّة، ولكن بعد أن تنجلي الأمور وتحسم معركة اليوم.

مدينتك حلب حاضرة في كتاباتك دوما، كتبتَ عنها مقالة قبل مدّة في نيويورك تايمز جاءت بمثابة أغنية رثاء.. أيّ زمن ترثي فيها؟

الأدب ليس ترفاً سواء أيام السلم أو الحرب، فهو يقوم بوظيفة تنويرية ويدفع نحو التغيير

تعتبر مدينة حلب حافظة أسرار التاريخ، فقد حفظت الحجارة الصلبة التي بنيت بها تلك الأسرار، وسراديبها تغوص في عمق التاريخ، كما أن الثقافة الحلبية المكتوبة منها والشفوية ثروة حقيقية تنهل منها الأجيال الحديثة، وهي فخر لأهل المدينة، ودمارها هو دمار لهذا الصرح الثقافي.

وللمدينة سمعة موسيقية رائدة، ولك أن تتصوّر كيف تراجع كل ذلك. الحروب تقتل البشر وتبيد أيضا الروح الإنسانية التي تستمر من خلال الثقافة ومنها الموسيقى.

أنا حزين على ما يجري لمدينتي التي كرّست لها معظم أعمالي، ولذلك أردت أن أرثيها في مقالة وهذا أقصى ما يمكنني عمله في الوقت الحاضر بسبب تهمّش الكاتب السوري، فأصوات المعارك والقصف والتدمير تعلو على صوت الروائي أو صوت الكمنجة الناعم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة