شبح الاحتجاجات يخيم على أوروبا   
الأربعاء 18/11/1433 هـ - الموافق 3/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 18:05 (مكة المكرمة)، 15:05 (غرينتش)
احتجاجات ألمانيا لم تصل لزحم مثيلاتها في أوروبا (الجزيرة نت)


خالد شمت-برلين

شرارة الاحتجاج اليوناني وصلت عواصم أوروبية أخرى، فقد عكست المظاهرات الحاشدة في إسبانيا والبرتغال وفرنسا تطورا تصعيديا في حركة الاحتجاجات الواسعة المتواصلة منذ أسابيع في دول كان ينظر لها على أنها معجزة نماء الاتحاد الأوروبي، وخصوصا إسبانيا والبرتغال.

تقف الاحتجاجات في مواجهة الأوضاع الاقتصادية الآخذة في التفاقم، وهي تعبر عن رفض شعبي متنام لإجراءات التقشف الحكومية في هذه العواصم الأوروبية.

وكان اليونانيون قد استهلوا الاحتجاجات الحاشدة بمظاهرات عنيفة الأسبوع الماضي نظمت ردا على عزم حكومة أنطونيوس ساماراس إقرار خطة تقشف جديدة بالبرلمان، وذلك قبل الاجتماع القادم  لمجموعة اليورو لمنح أثينا دفعة جديدة من قروض مقررة لها سلفا بقيمة 13.5 مليار يورو.

ويمثل إقرار خطة التقشف الجديدة استجابة لشرط الاتحاد الأوربي وصندوق النقد الدولي لليونان بتقليص نفقاتها بقيمة 11.5 مليار يورو ( 14.8 مليار دولار) قبل حصولها على أقساط حزمة الإنقاذ الثانية.

 الأزمة في كاتالونيا وصلت حدود المطالبة بالانفصال عن إسبانيا (الفرنسية)

وجرت هذه المظاهرات بموازاة إضراب عام كبير دعت إليه النقابات وشل معظم المرافق العامة والأنشطة اليومية في البلاد.

تصعيد إسباني
وفي إسبانيا تماثلت الاحتجاجات الحاشدة هناك مع ما جرى في اليونان من حيث ضخامة أعداد المشاركين والمصادمات العنيفة بين المتظاهرين والشرطة. ولكن اختلفت عنها في رفع المتظاهرين سقف مطالبهم من رفض تقليص الأجور والمخصصات الاجتماعية، إلى الدعوة لاستقالة حكومة ماريانو راخوي المحافظة وحل البرلمان ووضع دستور جديد للبلاد.

وتعد مظاهرات نهاية الشهر الماضي أمام البرلمان الإسباني الثالثة من نوعها خلال أسبوع واحد، وتجاوزت هتافات المشاركين فيها انتقاد حكومتهم إلى الهجوم على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والاتحاد الأوروبي، واتهامهما بفرض إملاءات على حكومتهم أدت لاتساع الفقر بين الإسبان وزيادة معدلات البطالة بينهم بصورة قياسية.

وتسبب تفاقم حدة الأزمة الاقتصادية بإسبانيا في دفع كافة شرائح المجتمع للمشاركة في الاحتجاجات ضد خطط حكومة راخوي للتقشف، وأخذت هذه الاحتجاجات طابعا شعبيا وتصعيديا ميّزها عن المظاهرات التقليدية رغم مشاركة النقابات فيها.

وتعد إسبانيا -رابع أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو- الدولة الأوربية الأعلى في معدلات البطالة حيث تعدت نسبة أعداد عاطليها 24%. وتواجه حكومتها ضغوطا أوروبية لطلب مساعدة إنقاذ، وأحالت حكومة ماريانو راخوي للبرلمان الإسباني مشروع موازنة تقشف حادة لعام 2013 تضمن تقليص النفقات ورفع الضرائب لتوفير 40 مليار يورو.

وتعتبر احتجاجات مدريد الأخيرة تطورا تراكميا لاحتجاجات مماثلة سبقتها في منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، وإضراب عام واسع شهدته البلاد في مارس/آذار الماضي، وهو الأكبر من نوعه منذ زوال الدكتاتورية العسكرية التي حكمت إسبانيا حتى سبعينيات القرن العشرين.

عدم تبني حركة "احتلوا" مطالب محددة أفقدها الزحم الشعبي بعكس الاحتجاجات الحالية (الجزيرة نت)

وأخذت احتجاجات الإسبان طابعا تصعيديا مع بدء تظاهرهم منتصف مايو/أيار 2011 ضد السياسات الاقتصادية لحكومتهم، مقلدين بذلك حركة "احتلوا" المناهضة للنظام الرأسمالي والسلطات الواسعة للمصارف والأسواق المالية.

دوامة برتغالية
وانتقلت عدوى هذه الاحتجاجات من إسبانيا إلى شقيقتها البرتغال، حيث طالب المتظاهرون يومي السبت والأحد الماضيين باستقالة رئيس الحكومة بيدرو باسوس كويلو وإنهاء برنامجه التقشفي، محملين إياه مسؤولية الارتفاع القياسي في معدلات البطالة إلى 15.7% وإدخال اقتصاد البلاد في مرحلة ركود.

وحصلت البرتغال -أفقر دول أوروبا- العام الماضي على مساعدات إنقاذ بقيمة 87 مليار يورو من ترويكا المقرضين، لكن حكومة كويلو اعترفت قبل أيام بأن ارتفاع عجز الميزانية إلى 6.8% من الناتج العام وتراجع ريع الضرائب لا يلبي شروط المقرضين ولا يمكن مواجهته إلا بإجراءات تقشفية حادة جديدة.

ولقي مخطط حكومة لشبونة الجديد لتقشف صارم رفضًا من نقابات العمال التي هددت بتنفيذ إضراب عام في حال تطبيقه.

ومن جانبها توقعت المحللة الاقتصادية الألمانية البارزة أولريكا هيرمان تنامي الاحتجاجات في دول جنوب أوروبا المأزومة وتطورها لأوضاع خطرة. وأعطت هيرمان -في تصريح للجزيرة نت- المحتجين بهذه البلاد حقا في استغرابهم تفاقم حدة الأزمة وانتشار الفقر والبطالة ببلدانهم رغم قبول حكوماتهم بكل شروط ترويكا الإنقاذ.

وقالت إن رفض تخفيف شروط التقشف وتحفيز النمو بالدول المتعثرة سيعجل برحيل حكوماتها، وخروج الأخيرة من منطقة اليورو في المنظور القادم.

تطرف وانفصال
وقالت الخبيرة الاقتصادية الألمانية إن عدم إعطاء الأوروبيين خاصة ألمانيا أملا لليونان وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا سيؤدي لتعزيز التيارات والنزعات الانفصالية بهذه البلاد، وأوضحت أن مطالبة كاتالونيا بالانفصال عن إسبانيا قابلتها دعوات مماثلة من اتحاد الشمال شمالي إيطاليا وبمنطقة التيرول جنوب هذا البلد.

أولريكا هيرمان توقعت تطور الاحتجاجات الأوربية ضد التقشف لأوضاع خطرة
(الجزيرة نت)
واعتبرت هيرمان أن "احتجاجات إسبانيا والبرتغال ذات طابع شعبي وتختلف عن مظاهرات حركة (احتلوا) التي حال عدم رفعها مطالب سياسية دون انضمام كثيرين إليها"، ونوهت إلى أن احتجاجات مدريد ولشبونة عبرت عن كافة شرائح المجتمع وقدمت مطالب محددة هي رفض التقشف ورفع الضرائب وتقليص الأجور والمخصصات الاجتماعية.

ومثلت مشاركة أكثر من 80 ألف فرنسي في احتجاجات نهاية سبتمبر/أيلول الماضي بباريس مفاجأة لتنظيم المظاهرة من يساريين ضد رئيس يساري، وهاجم المحتجون الفرنسيون تخلي رئيسهم فرانسوا هولاند عن وعوده الانتخابية بالتخلي عن التقشف ونشر العدالة الاجتماعية، وسعيه بدلا من ذلك إلى رفع الضرائب وتقليص النفقات بواقع 36.9 مليار يورو في ميزانية 2013.

وطالب المشاركون في المظاهرة، التي كانت الأكبر ضد هولاند، باستفتاء شعبي على اتفاقية الانضباط المالي التي بدأ البرلمان الفرنسي أمس الثلاثاء مناقشتها تمهيدا لإقرارها.

مسؤولية ألمانية
وحملت المحللة أولريكا هيرمان ألمانيا مسؤولية ما يواجه هولاند من صعوبات حالية، وأوضحت أن تعمد ألمانيا طوال الفترة بين عامي 2000 و2010 إبقاء خفض أجورها عند مستوى 7% حقق لها مزايا تنافسية على حساب دول أخرى بمنطقة اليورو من بينها فرنسا.

وأشارت إلى أن الاحتجاجات الحالية جاءت ردا على اضطرار الرئيس الفرنسي الجديد لخفض الأجور للحاق بالقدرة التنافسية لألمانيا.

وقالت هيرمان إن ألمانيا لن تشهد الآن على الأقل تناميا للاحتجاجات ضد إجراءات مواجهة الأزمة بفضل استمرار تزايد صادراتها وانخفاض نسبة فوائد ديونها.

ولفتت إلى أن الاقتصاد الألماني مستفيد من الأزمة الحالية وحقق منها مكاسب ناهزت 167 مليار يورو. وتوقعت أن يؤدي استمرار برامج التقشف الأوروبية دون محفزات نمو إلى بدء ركود ترد عليه المستشارة أنجيلا ميركل بتخفيض ساعات العمل فقط.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة