إصلاحات الجزائر تعكس تخبط السلطة   
الخميس 1432/3/22 هـ - الموافق 24/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:09 (مكة المكرمة)، 12:09 (غرينتش)
مواجهات قبل خمسين يوما بالجزائر بين محتجين والشرطة التي أُمرت بضبط النفس (الأوروبية-أرشيف)
 
الجزيرة نت-خاص

تحدثت أوساط سياسية في الجزائر للجزيرة نت عن صراع  كبير بين صناع القرار بشأن إصلاحات باشرتها الرئاسة لإرضاء شارع ساخط على وضعه المعيشي.

وقالت إن الصراع تجلى في قرارات متضاربة وغير مدروسة أعلن عنها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في مجلس الوزراء الأخير ووصلت منح قروض خيالية في الاستثمار والسكن والتشغيل، وكذا رفعه مرغما حالة الطوارئ رغم تواصل نشاط قاعدة بلاد المغرب الإسلامي.

مفارقات
غليان الشارع في كل الولايات دفع بوتفليقة مرغما لإصدار قرارات استثنائية وتاريخية في ظرف وجيز جدا لم يتعد الشهر، وكانت متضاربة تماما أحيانا.

فقد ألغى مرسوما رئاسيا صدر قبل سبعين يوما فقط متعلقا بإصلاحيات تقدمت بها وزارة التعليم العالي أثناء تطبيقها لنظام جديد بشأن شهادة مهندس دولة وكذا المشاركة في الماجستير بالنسبة للنظام الكلاسيكي.

وجاء التراجع بضغط اعتصامات وإضرابات نظمها الطلبة، تماما مثلما نجح تهديد آلاف من عناصر الحرس البلدي بالتمرد وراء تراجعه عن قرار اتخذه رئيس حكومته أحمد أويحيي صدر قبل شهرين يطرح مشروعا لنزع أسلحتهم وتحويلهم إلى موظفي نظافة وحراس في المؤسسات العامة.

بوتفليقة اتخذ في شهر قرارات لم يتخذها طيلة 12 عاما من الحكم (رويترز-أرشيف)
وشملت التنازلات وعودا وضمانات لعمال البلديات بتحسين الأجور وإدماج المفصولين مقابل وقف إضرابهم، وحوافز مغرية وخيالية لأرباب العمل لتوظيف أكبر قدر من البطالين بمنحهم قروض طويلة المدى بقيمة مائة مليار دينار (نحو 13.7 مليار دولار) إضافة إلى إنشاء آلاف المستثمرات الفلاحية لخلق مناصب شغل وتخصيص مائتي مليار دينار لبناء أسواق جوارية لتجّار الأرصفة، وقروض موجّهة مباشرة للشباب لتجسيد مشاريعه السكنية دون فوائد بنكية، لأول مرة في الجزائر.

المفارقة أن القرارات -التي صدرت في  شهر واحد بضغط الاحتجاجات- لم تشهدها الجزائر منذ 1999 تاريخ وصول بوتفليقة إلى الرئاسة.

أحزاب منقسمة  
أحزاب التحالف الرئاسي (حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم) رحبّت بقرارات بوتفليقة، باعتبارها معنية بشكل مباشر بنتائج سياسات الدولة لمشاركة وزرائها في الحكومة، لكن أحزاب المعارضة اعتبرتها "ارتجالية" و"مضطربة " و"غير مدروسة".

وقال رئيس حركة الإصلاح (حزب إسلامي معارض) جمال بن عبد السلام إن القرارات غامضة والمشكل ليس القروض أو القوانين، بل حاشية فاسدة.

رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية (حزب قومي) موسى تواتي تحدث عن إصلاحات غامضة تكشف صراعا وتخبّطا لدى صنّاع القرار.
 
رئيسة حزب العمال (يساري تروتسكي) لويزة حنون دعت الرئيس لحوار مباشر مع الفئات التي خرجت في احتجاجات، لكون المشكل يتعلق بأزمة ثقة.

رئيس حركة الإصلاح سابقا الشيخ عبد الله جاب الله دعا إلى أن يتبع رفع الطوارئ انفتاح في الحقل الإعلامي الذي ما زال -حسبه- حكرا على البعض.

رئيس الحكومة الأسبق سيد أحمد غزالي اعتبر رفع الطوارئ لا حدث و"مراوغة سياسية" تنذر بانفجار شعبي وشيك، في حين تمنى السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية كريم طابو ألا يكون مجرد واجهة "لديمقراطية مزيفة"، فيما اعتبرته حركة النهضة (حزب إسلامي معارض) مجرد مسكّن.

تخوف أمني
وتمر السلطات الأمنية في الجزائر بأضعف أيامها بعدما تقوّى الشعب عليها ولم يعد يهتم بعقوباتها وترسانتها الكبيرة، وتحرّر من هاجس الخوف.

وتلقت قوات الأمن تعليمات صارمة لضبط النفس في مسيرات الاحتجاج وصلت إلى حد معاقبة أفرادها المتورّطين في ضرب الطلبة في مسيرتهم الأخيرة أمام وزارة التعليم العالي مثلما قال رئيس خلية الاتصال بالمديرية العامة للأمن الوطني الجيلالي بودالية.

"
كيف يتحدث الرئيس عن تمديد عقود التشغيل وأجرها لا يتعدى ثمن فطور صباح بأحد الفنادق الفخمة؟
"
شاب جزائري

إصلاح جذري
لكن من استطلعت الجزيرة نت آراءهم من المواطنين أبانوا عن عدم اكتراث بالقرارات الأخيرة، وقالوا إن بقاء رؤوس الفساد في واجهة النظام ينذر بالشؤم.

واعتبر بعض الشباب أن الرئيس لم يقدّم حلولا جذرية بل طرح إصلاحات ترقيعية.

وتساءل أحدهم "كيف يتحدث الرئيس في قراراته عن تمديد عقود التشغيل وأجرها لا يتعدى 12 آلاف دينار جزائري (نحو 164 دولارا) أي ثمن فطور صباح بأحد الفنادق الفخمة؟".

وقال آخر "لماذا لا يقوم الرئيس بتوظيف آلاف الشباب من حاملي الشهادات الجامعية مباشرة بدل التلاعب بهم في عقود مؤقتة كحراس أو أعوان نظافة في المراحيض؟".

مواطنو المدن الداخلية اعتبروا وجود أصحاب "الشكارة" (الشكارة هي الكيس باللهجة الجزائرية وهي تعبير عمن اغتنوا بسرعة فائقة) في واجهة السلطة دليلا كافيا على فشل إصلاحات ستستفيد منها عصبة حاكمة لم تتزحزح عن واجهة النظام منذ الاستقلال.

الطرح ذاته استخلصه زعماء أحزاب سياسية شاركوا في بلورة مبادرة نظمتها حركة مجتمع السلم أمس بشأن الإصلاح، وطالبوا فيها بحلّ الحكومة وتعديل الدستور وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.

كما تحدث عشرات من مواطنين ومنتخبين ورجال أعمال وحتى من المسؤولين المعارضين عن أن الارتجالية لدى صنّاع القرار ستؤدي حتما إلى انفجار شعبي وشيك قد تكون عواقبه وخيمة جدا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة