الثقافة العراقية.. رهينة المحبسين   
الخميس 18/2/1433 هـ - الموافق 12/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:35 (مكة المكرمة)، 9:35 (غرينتش)

سوق الكتب في شارع المتنبي الشهير في العاصمة العراقية بغداد (الجزيرة نت)

وارد بدر السالم

حتى قبل عام واحد، كنا نعيب على المثقف العراقي صمته السلبي وانزواءه وإغماض عينيه عن الكثير من الانتهاكات التي طالت المواطن العراقي. يومها كنا نكتب عن سلطة تريد تهميش دور المثقف وإقصاءه عن ساحتها، لتتفرد بالقرار وتقتسم الكعكة وتسيّس الحياة العراقية على إرادتها. وبالتالي سيبتلع المثقف خيبته، وهو الذي كان أول الساعين لريادة ثقافية حرة، بعيدة عن السياسة والتسييس.

وقتها أيضا كنا نقول إن نتائج الصمت الثقافي وفرت للسياسي مساحات واسعة لنصب الكمائن المختلفة، لإيجاد هوة عميقة الغور في الجسد العراقي، كي تؤكد إقصاء الأقلية الصامتة والأغلبية التي كانت تنوء بحرب الإرهاب، وتبحث عن منافذ للنجاة بالوسائل كلها. فالحصار السياسي والاجتماعي أطبق على الشعب، وكان من نتائجه الهجرة والفرار بمستوييها الداخلي والخارجي.

وما كان المثقف قادرا على احتواء مثل هذه التحولات السريعة التي خدعت المنظومة الاجتماعية بقدرتها على التغيير السريع، بعد الإطاحة بمنظومة الطاغية، فوجد نفسه أعزل من جديد وابتلع صوته هذه المرة خوفا من المقبل، ومن الأحداث العاصفة التي فاجأت الجميع.

لكن يبدو أن المثقف العراقي استفاق من غيبوبته مؤخرا، إثر عامل خارجي وليس داخليا، وتحديدا بعد "ثورة البوعزيزي" التونسية الجبّارة، وما تمخض عنها من ثورات عربية أطاحت أصنام السياسة وطغاة العصر العربي الطويل. لينتبه "المثقف" إلى ذاته المغيّبة، وبالتالي إلى الذات العامة التي أكلت السياسة الناشئة من جرفها كثيرا، وأدخلتها في دوامات القهر واليأس.

فكان لا بد للصوت الثقافي أن يخرج من إطاره وذاته ليكون مع المجموع، وإن كان المجموع خارجيا أول الأمر، فهو بمنزلة التدريب على إطلاق الصوت ومدى قوته وأهميته في التأثير الاجتماعي.

شارع المتنبي في العاصمة بغداد شهد مظاهرات للمثقفين (الجزيرة نت)

بغداد وقندهار
قد تكون مصادفة حتمية أن يتحرك الثقافي ليواجه السياسي في تجربتنا العراقية الوليدة بديمقراطيتها المتعثرة حتى الآن، ففي المشهد الأول تحرك شارع المتنبي برمزيته العالية في تظاهرات أولى كانت حكرا على الثقافة والمثقفين وتوابعهم من المؤيدين، حتى وإن انحسرت على مطالب ترفيهية في شعارها الرمزي الصريح "بغداد ليست قندهار"، لتكون الجرس الأول في باب السياسة الموصد. ربما أخذها السياسي حجة في القضاء على هذا المطلب الدنيوي وعدّه بطرا، فالسياسي هنا تلبس ثوب الديني الموارب والمنافق.

ولأن الثقافي لدينا مستهلك منذ عقود طويلة وموارِب، ومنافق أيضا لظروف السياسة المخمورة التي اختمر بها، فقد ترك قافلة التظاهرات تسير على الوتيرة نفسها وفي المكان نفسه والزمن الأسبوعي ذاته دون أن يطور أدواته المضادة لمواجهة السياسي المتلفع بلفاع الدين، أو بالأحرى من دون أن يكون أمامَه هدف أعم وأشمل سوى حرية الترفيه الساذجة.

لكن الخفاء كان يطوي في سجلاته أشياء غامضة على ما يبدو، فعلى وقع التظاهرات التونسية، شحذ ميدان التحرير المصري همة الشباب العراقي، في تركيبة مزدوجة، وجد الثقافي فيها نفسه جادا هذه المرة، وأمسك بالحلقة المفقودة عبر انفتاح الشباب على الحياة الإلكترونية، وقراءة الواقع السياسي العراقي المتهور كثيرا. ليكون الثقافي بمسمياته المتعددة صوتا بارزا في التظاهرات العراقية بمعية جموع الشباب.

ووجد الثقافي قوته في هذه الاندفاعات الشبابية التي يفتقدها، ليكون بمواجهة السياسي المتسلط، ويملي عليه شروطه، وهي شروط اجتماعية وسياسية متداخلة، كان لها وقع كبير في المسمع السياسي، الذي انفضح وبانت عوراته الكبيرة، وتمكن الثقافي-الشبابي من تشخيص ضعفه تماما.

وجد الثقافي قوته في هذه الاندفاعات الشبابية التي يفتقدها، ليكون في مواجهة السياسي المتسلط، ويملي عليه شروطه

ثلاثية الالتباس
شباب العراق حرروا الثقافي من عقدة الخوف المزمنة، والثقافي وجد أنه قادر على مواجهة السلطة بالمسمى السلمي لفرض شروطه الاجتماعية والسياسية، ليدخل هذه المرة إلى الباب السياسي الواسع تحت غطاء الشباب القوي.

ولا نريد أن نحسب هذا الاستنتاج كمثلبة على الثقافي، لكن ليس بالإمكان أفضل مما كان، فالثقافي الأعزل المتراجع دائما خلف الصفوف، قد يقود نفسه في نهاية الأمر إلى أن يسلك المسالك الصحيحة لمواجهات حاسمة مع السياسي.

المثقف العراقي، ذو الماضي الملتبس والحاضر الملتبس والمستقبل الملتبس، تشكل ويتشكل من هذه الثلاثية الملتبسة ليقود نفسه إلى مظان أخرى، ربما ليست لديه القدرة على دراسة فقهها بشكل فاعل واستنباط حكمتها المرتجاة. لكنه حاول بداية ليكون نقطة المواجهة الأساسية في التصدي للسياسي الأعمى الذي لا يرى غيره.

نحسب أن الثقافي المتخلف عن السياسي وجد، بعد الثورات الشبابية التي اجتاحت العالم العربي، أنه قادر على تأجيج الحوار مع السياسي، متناسيا أو محاولا أن يتناسى ما علق به من إرث سابق، حينما ظل عقودا طويلة متخاذلا وخائفا من الآخر السياسي، الذي كان دائما ينفرد بالقرار ويتخذه وسيلة من وسائل التعبير عما يريده. فهذا الإرث القديم -وهو إرث دموي ومخيف بمعانيه الكبيرة- أيقظ فيه قوة نسبية لتحصيل مراده الترفيهي بطريقة شارع المتنبي المعروفة.

الثقافي المتخلف عن السياسي وجد بعد الثورات الشبابية التي اجتاحت العالم العربي، أنه قادر على تأجيج الحوار مع السياسي، متناسيا أو محاولا أن يتناسى ما علق به من إرث سابق، حينما ظل عقودا طويلة متخاذلا وخائفا من الآخر

مشهد متشابك
السياسي أرعن في العادة، لأنه يمسك السلاح وبيده المال العام، لهذا فهو صاحب القرار. والثقافي أعزل في العادة لأنه يمسك القلم، لذلك فهو طوباوي حالم، السياسي واقعي والمثقف خيالي. وما بين القلم والسلاح مسافة ضوئية قررت مصائر البشر. وما بين الواقع والخيال اكتظاظ من المتناقضات، والكثير من الخسارات المعروفة.

وعليه فإن في العصور كلها يشتبك المشهد الثقافي ببعضه وتتشابك خيوطه إلى حد الذوبان، بوجود السياسي القمعي مثلا، أو السياسي المناور أو السياسي الكذاب، كما يحصل عندنا اليوم في ظل التحولات السياسية ما بعد 2003. فما يتمخض من كل هذا هو الحصيلة الفعلية لنتاجات ثقافية مشوهة في الغالب، غير مؤصلة تقريبا لأسباب نثرناها في سياق هذا التقرير.

يبقى المشهد الثقافي في كل زمن ومكان رهين المحبسين كما يقال، محبس السياسة الدوني الباحث عن مصلحته وخلاصه الذاتي بنفاق ملحوظ، ومحبس الثقافة غير المتبلورة في حاضنتها الزمنية والمكانية.

تلك الثقافة المعبأة بأكياس من الجنفاص -الخيش- المخروم، تلك التي عليها أن تغادر السياسة وتنحي السياسي من طريقها، وتربأ بالتحزب الفردي وتستجلي طريقها في هذا الخراب العام، لتكون بمنأى عن التشوهات الخلقية التي يفرضها السياسي ذو العين الواحدة.
_______________
قاص وكاتب من العراق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة