ثلاثون عاماً من مسيرة الصين للقبض على الفأر   
الخميس 20/12/1429 هـ - الموافق 18/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 1:09 (مكة المكرمة)، 22:09 (غرينتش)
سياسة الانفتاح والإصلاح حولت الصين إلى رابع عملاق اقتصادي (الفرنسية)

بعد ستين عاماً على تأسيسها لا تبدو صين اليوم كما تركها مؤسسها وزعيمها الراحل ماو تسي تونغ. إذ تبدو بصورة قد لا تتوافق تماماً مع حلمه في بناء دولة العمال والفلاحين. لكنه الواقع الذي يفرض نفسه بقوة منذ تبني الصين سياسة الإصلاح والانفتاح.

قبل ثلاثين عاماً وبالتحديد عام 1978 تبنى المؤتمر العام للحزب الشيوعي الصيني خطة الزعيم دينغ سياو بينغ بشأن الإصلاح والانفتاح والتي اعتبرت في حينه انقلاباً على فكر زعيم الصين ماو تسي تونغ الذي لم يكن قد مضى على رحيله سوى عامين.

آنذاك كان بينغ مهندس تلك المرحلة قد عاد إلى الواجهة بعد أن دفع ثمناً باهظاً أدى إلى تجريده من كافة مناصبه الحزبية والحكومية لأنه تجرأ على البوح بسرّه الخطير "ليس مهماً لون القط المهم أن يقبض على الفأر" و صرّح أو صرخ بأن "الاشتراكية لا تعني الفقر" ومنذ ذلك الحين أمسكت الصين بفأر الاقتصاد لتهزم الفقر مسجلة أسرع طفرة اقتصادية في التاريخ.

من مدينة شنجن جنوب الصين بدأت الصين أولى خطواتها على طريق الانفتاح لتجعل من المدينة الساحلية نموذجاً تجريبياً للتنمية الاقتصادية سرعان ما فرّخ نماذج عديدة امتدت على طول السواحل الصينية.

وسارعت الصين عام 1979إلى تطبيع رسمي لعلاقاتها الدبلوماسية مع واشنطن متخلية في ذلك عن صراعها الأيديولوجي وأسقطت شعارها المعروف "الإمبريالية الأميركية نمر من ورق".

عاصفة "البريسترويكا" التي أطلقها الزعيم السوفياتي السابق غورباتشوف وصلت رياحها إلى بكين حيث اندلعت انتفاضة الطلبة المطالبين بانفتاح سياسي يترافق مع الانفتاح الاقتصادي الجاري. لكن رد الحزب كان عنيفاً وأدى إلى سقوط المئات من الطلبة بين قتيل وجريح ومعتقل فيما عرف بأحداث ميدان تيان آن مين المأساوية عام 1989.
 
الصين استعادت عام 1997 هونغ كونغ من السيادة البريطانية بعد عامين من رحيل دينغ سياو بينغ (رويترز)
استعادة هونغ كونغ
بعد عقد على إطلاق سياسة الانفتاح ونجاح تجربة المناطق التنموية الخاصة باتت الصين مهيأة لاستعادة المستعمرة البريطانية السابقة هونغ كونغ إلى كنف السيادة الصينية عام 1997 لكن ذلك جاء بعد أشهر قليلة على رحيل مهندس الإصلاح الصيني دينغ سياو بينغ الذي ابتكر نظرية "دولة واحدة بنظامي حكم" التي هيأت الظروف القانونية لدمج هونغ كونغ ذات النظام الرأسمالي مع الصين ذات النظام الاشتراكي واعتبرت في حينها ثورة جديدة في علم القانون الدولي.

عام 2001  نجحت الصين بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بعد سنوات من المفاوضات الشاقة والعسيرة وبشروط وصفت بالمجحفة قبلتها الصين على مضض.

فترة الانفتاح الاقتصادي تلك أدت إلى بروز طبقة برجوازية ناشئة باتت تشكل خطراً على الحزب الذي لم يجد أمامه حلاً لاتقاء شرها سوى استيعابها في صفوفه. وكان ذلك ما أقره المؤتمر العام للحزب في دورة انعقاده عام 2002 في بادرة هي الأولى من نوعها في تاريخ حزب شيوعي.

الطموح الصيني لم يتوقف عند النجاحات التي حققتها التجربة الاقتصادية على الأرض إذ استطاعت الصين أن تصبح ثالث قوة دولية تنضم إلى نادي الفضاء بإطلاق أول مركبة مأهولة عام 2003.

أما في العام 2005 فقد نجحت بأن تصبح رابع قوة اقتصادية في العالم بعد نجاحها في تسجيل أسرع نسبة نمو اقتصادي على مدى أكثر من عقدين تجاوزت 9%.

التنين الصيني نجح في القبض على فأر الاقتصاد لكن فئرانا كثيرة أفلتت منه (الفرنسية)
نموذج يحتذى
مسيرة النجاحات الاقتصادية أثارت اهتمام المراقبين والمحللين واعتبرها بعضهم نموذجاً يمكن تقليده الدول النامية, لكنها لم تخل من إخفاقات. وإذا كان التنين الصيني قد نجح بالقبض على فأر الاقتصاد فإن فئراناً كثيرة أفلتت وظلت تشكل تحديات لمسيرة الإصلاح.
 
ولعل أهمها انتشار الفساد وتفشي البطالة واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء مما بات يهدد الاستقرار.

قد تكون مقاربة أن تودع الصين عام الفأر في الوقت الذي تحتفل فيه بالذكرى الثلاثين للانفتاح. لكن العقود الثلاثة تلك أبقت صورة الصين عصية على الفهم وتعج بكل المتناقضات. فبين نصف فشل بالنهج الاشتراكي ونصف نجاح رأسمالي تقف صين اليوم بين خيارين: اشتراكية رأسمالية أو رأسمالية اشتراكية ويبدو أنها ستواصل الجمع بين المتناقضين.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة