باكستان وقبائلها بعيون "الصقر التائه"   
الخميس 1434/9/10 هـ - الموافق 18/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:20 (مكة المكرمة)، 10:20 (غرينتش)
غلاف الترجمة الفرنسية لرواية "الصقر التائه" للباكستاني جميل أحمد (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
طوال سنين عديدة شغل الباكستاني جميل أحمد منصب موظف حكومي كبير في منطقة بلوشستان القبلية التي تقع على الحدود مع أفغانستان وإيران. ومن خبرته الواسعة بهذه المنطقة استقى مادة روايته الرائعة "الصقر التائه"، التي صدرت باللغة الإنجليزية عام ٢٠١١ قبل أن تنشر دار "أكت سود" ترجمتها الفرنسية مؤخرا بقلم سوفي باتيست فولتز.
 
ولا يبالغ الناشر الفرنسي بتقديمه هذه الرواية على أنها عمل حياة بكاملها. فمع أنها لا تتجاوز ١٧٠ صفحة، فإنها تسمح لنا بالتعرف عن كثب إلى واقع المنطقة المذكورة، بعيدا عن المعلومات المكررة التي تتناقلها وسائل الإعلام الدولية حولها.

تتألف الرواية من تسعة نصوص سردية لا رابط بينها سوى شخصية مثيرة تدعى تور باز ("الصقر التائه" باللغة البشتونية) وتحضر في كل منها، تارة بوضوح وتارة بشكل موارب، مما يمكننا من متابعة مسارها الفريد منذ أن فتحت عينيها على الدنيا وحتى بلوغها سن الرشد.

تطرح الرواية خصوصيات منطقة تتصادم فيها إلى حد اليوم ثقافات مع الحداثة وتخضع لرهانات سياسية وإستراتيجية ودينية شديدة التعقيد

رحلة ضياع
في النص الأول، نتعرف إلى ظروف ولادة تور باز من أبٍ اضطر إلى الهروب من قبيلته لخطفه حبيبته من زوجها بموافقتها. وبعد خمس سنوات من التيه في الصحراء يعثر رجال القبيلة عليهما، فيتم رجم الأب بعد أن قتل حبيبته لتجنيبها المصير نفسه.

بعد ذلك، نشاهد "تور باز" طفلا في رعاية قائد عسكري يدير قلعة على الحدود مع أفغانستان، ثم مراهقا برفقة ملّا ماكر ورحالة ينتهي به الأمر مجنونا، قبل أن نقع عليه راشدا ومتورطا في مسائل قبلية أو مخبرا للشرطة أو مهرّبا، وفقا لتيهه المستمر.

لكن "تور باز" على أهميته ليس سوى شخصية ثانوية استخدمها الكاتب بمهارة لتأمين تماسك روايته التي تعج بالقصص الفردية والجماعية التي تقع أحداثها في منتصف القرن الماضي وتسمح بتسليط ضوء كاشف على مواضيع مهمة كثيرة كالحرب العنيفة التي دارت آنذاك بين الدولة الباكستانية والشعوب البلوشستية في شرق البلاد.

وتتطرق الرواية إلى ذلك التحول الذي طرأ على هذه المنطقة على أثر ترسيم الحدود بين باكستان وأفغانستان بعد الحرب العالمية الثانية ومنع القبائل البدوية من التنقل بحرّية بين البلدَين، ونشاط قبيلتي وزير ومسعود في ولاية وزيرستان الذي كان قائما بشكل رئيسي على الخطف وطلب الفدية، وبؤس سكان جبال شيترال وغيرها.

ومن خلال هذه القصص، تطرح الرواية خصوصيات منطقة تتصادم فيها إلى حد اليوم ثقافات مع الحداثة وتخضع لرهانات سياسية وإستراتيجية ودينية شديدة التعقيد، وتشهد مقاومة شرسة من القبائل التي تقطنها لأي سلطة مركزية، بدون أن ننسى التدخلات الأجنبية في مسائلها، بدءا بالبريطانيين والألمان، ومرورا بالسوفيات، وانتهاءً بالأميركيين.

ولعل هذا ما يمنح هذه الرواية كل قيمتها، أي تسهيل مهمة غوصنا داخل عالم ما زال مجهولاً لنا وبعيدا عن أي أدب أو سرد موضوعي، يقطنه ناس بسطاء يتحلون بإنسانية كبيرة وفي الوقت ذاته هم قادرون على قسوة رهيبة.

وفي هذا السياق، نتعرّف إلى زعماء قبائل شجعان وملالي بؤساء ورجال متواضعين وشرفاء أو فاسدين ومتكبّرين، كما نتعرّف إلى نساء خاضعات لكن ذوات شخصيات قوية، وإلى قرويين وقطّاع طُرُق ونصابين ومخبرين وأدلّاء وتجار أفيون أو فطر مجفّف وغيرهم.

يعبر الزمن على الناس والأشياء في هذه المنطقة بلا توقف ولا مبالاة مخلفا وراءه كما من المآسي والعذابات

المرأة الضحية
باختصار، شخصيات كثيرة وغنية بالألوان ينجح أحمد في سرد لقطات من حياتها داخل محيطها الجغرافي الوعر والقاحل، متوقفا أيضا عند خصوصيات القبائل البلوشستية الكثيرة التي تنتمي هذه الشخصيات إليها وعند مكافحتها للبقاء على قيد الحياة والمحافظة على تقاليدها وقيَمها الكريمة. ومن أبرز هذه القبائل: بروهي وبهيتاني وبشتون ومسعود ووزير وأفريدي وموهماند وغوجار.

وإذ تتجلى لنا ظروف حياة الإنسان في هذه المنطقة بكل صعوباتها وعنفها داخل هذه الرواية، تبدو المرأة الضحية الأولى لقسوة هذه المجتمعات، تُباع غالبا مقابل حفنة من المال وتعامَل أحيانا بطريقة لا تليق حتى بالحيوان.

ولخط روايته، لجأ أحمد إلى أسلوبٍ لا تكلّف فيه، يشبه بتقشّفه مناظر بلوشستان الموصوفة وناسها، لكنه يسمح بدقته بالإمساك من أقرب مسافة ممكنة بالأحداث المسرودة وبرسم "بورتريهات" مثيرة بدون الحاجة إلى الدخول في اعتبارات نفسية.

أما الاقتضاب المعتمد في عملية السرد فهدفه تلطيف العنف المصور أو الالتفاف أحيانا على الأقدار البائسة بشعرية رائعة لاستحضار إيقاع الزمن نفسه الذي يعبر على الناس والأشياء في هذه المنطقة بلا توقف ولا مبالاة مخلفا وراءه كما من المآسي والعذابات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة