أسئلة المستقبل الغائم بمسرحية "حارس النبوءة"   
الاثنين 22/1/1435 هـ - الموافق 25/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:23 (مكة المكرمة)، 10:23 (غرينتش)
لقطة من مسرحية "حارس النبوءة" في فضاء التياترو بالعاصمة التونسية (الجزيرة نت)
كمال الرياحي-تونس
 
لم يدم عرض المسرحية الأردنية "حارس النبوءة" أكثر من ساعة في لوحة وحيدة وقطعة ركحية واحدة، وقد بدأت بعبارة "ثمة شيء يحدث" وانتهت بها، لتؤكد حيرة الإنسان اليوم أمام ما يجري له وحوله، ضمن هذه التحولات الجيوسياسية والثورات الشعبية والأحلام الغائمة وسط غبار سياسي كثيف.
 
وافتتحت "حارس النبوءة" عروض فضاء التياترو المسرحي في العاصمة التونسية ضمن أيام قرطاج المسرحية، وهي من إخراج  فراس المصري وتأليف الأديب مفلح العدوان وتمثيل كل من أريج جبور، ومرام أبو الهيجاء، وطارق تميمي، ومحمد جيزاوي.
 
المسرحية قدمت مقاربة حول
مفهوم الحرية والفعل الإنساني
(الجزيرة نت)
الأدب والمسرح
وتمثل هذه المسرحية نصا أدبيا متميزا قدّم على الخشبة بلغة شعرية أنيقة قارب بها مفلح العدوان أسئلة الراهن العربي والكوني، ومنها الربيع العربي، دون أن يسقط في الخطاب المباشر الذي سقط فيه عدد غير قليل من كتاب النصوص المسرحية، فكانت المسرحية قطعة أدبية راقية.

حاول العدوان أن ينزل عمله الأدبي المسرحي ضمن سياقات تاريخية راهنة، وفي الوقت نفسه ضمن خلفية تاريخية وثقافية خاصة تحيل العمل إلى تربته الأردنية من خلال استدعاء التاريخ النبطي ومملكة الأنباط التي قامت في الأردن وشملت غرب الجزيرة العربية وكانت عاصمتها البتراء.

وقد عرفت هذه الممكلة ازدهارا كبيرا في العلوم والاقتصاد والفن، فشيد فنانوها مدنها في الصخور الضخمة لتكون إعجازا آدميا لقدرة الفنان على الابتكار.

بدا العمل يداور مفهوم الحرية وإمكاناتها من خلال اللعب على ثنائيتي السجان والعرافة، والنحات والراقصة، وثنائيتي الميتافيزيقي والفيزيقي، والانتظار والحركة: انتظار النبوءات أو التحرك لإقامة التغيير بالفعل والفن وإثارة الغبار وتحريك الأتربة المتلبدة والمحجوزة في الأواني، ليندلع الغبار كعنوان للمغامرة التي لا يمكن أن تكون دون الدخول في الغموض.

اجتهد المخرج في تقديم رؤية ركحية حداثية من خلال ديكور حاول جاهدا أن يجعله معبرا عن متن العمل المسرحي ورؤاه. وكان أداء معظم الممثلين مميزا في العمل المسرحي الذي تم تقديمه باللغة العربية الفصيحة.

نص مسرحية "حارس النبوءة"
كتبه الأديب الأردني مفلح العدوان
(الجزيرة نت)

مسائل تقنية
لكن ما يمكن أن يعاب على هذا العمل هو بعض المسائل التقنية التي كان يفضّل أن تتم مراجعتها، فالخشبة كانت مزدحمة بسبب كثرة الممثلين الذين يداورون الحديث بينهم، مما أحدث تشويشا بصريا وصوتيا وإن كان بعضه مقصودا.

وكان يمكن للمخرج أن يتنازل عن أحد الممثلين -على الأقل- ليكون مجرد صوت خارجي لتهوئة الفضاء المسرحي المزدحم، الذي كان من جملة إكسسواراته التي شكلت ديكور العمل شاشتان كبيرتان مسلطتان بوضع فوقي على رأسي العرافة وعلى رأس النحات.

كما كان صغر المسرح غير مناسب لذر كل ذلك التراب أو الرمل من قبل الممثلين على الخشبة لأنه أدرك المتفرجين، وكان يمكن أن يستعان ببعض الخدع البصرية أو استعمال نوع من الحصى أو الرمل الذي لا يخلف غبارا.

لكن البعض استحسن الأمر لسببين: أولهما أن الغبار كان تعبيرا سيميائيا عن أوجاع النحات وعذاباته في خضم هذا الشيء الذي يحدث من حوله والذي بدأ يستهدفه، وهو استعارة متميزة لواقع الفنان اليوم ضمن هذا الحراك الشعبي الذي يحدث خارج أسوار السجن/الركح. ومن ناحية أخرى لم يكتف العرض بترك أثر نفسي وفكري، بل ترك أيضا أثرا ماديا عندما يخرج الجمهور محملين ببعض غبار الفنان وسؤال الراهن المحير "ماذا يحدث فعلا؟".

العمل الذي جاء في لوحة واحدة طالت كان يمكن أيضا أن يقع توزيعه على أكثر من مشهد لتنويع مشهدية على الخشبة ويعطي فرصة للفنان لاسترداد أنفاسه، خاصة أن العمل قائم في بعض فتراته على التداعي الحر أو التأمل الفردي للشخصيات كما هو الحال مع النحات النبطي.

وكان باستطاعة المخرج أن يجد مكانا للعازفين خارج الحيز المشهدي للعرض ويكتفي بدخلتهم الأولى التي بدأ بها العرض وانتهى بها، ولكن مشاهدة العازفين من ناحية والممثلين من ناحية ثانية وما يدور في الشاشتين على الشمال واليمين، أحدث ربكة بصرية حين تحول خشبة المسرح إلى ثلاث خشبات أو أكثر.

تبقى مسرحية "حارس النبوءة" عملا مسرحيا واعدا يشده الأدب بالاستعارة الراقية وتفتح له الخشبة مجالا أوسع للمغامرة الضارية في إشاعة أسئلة الراهن بأناقة أكبر، لتؤكد أولا أن ثمة شيئا ما يحدث في المسرح الأردني.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة