الرواية العراقية تجاهلت المقاومة والاحتلال   
السبت 21/12/1434 هـ - الموافق 26/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 2:46 (مكة المكرمة)، 23:46 (غرينتش)
جانب من حضور أمسية في عمّان حول الرواية العراقية بعد الاحتلال الأميركي (الجزيرة نت)

توفيق عابد-عمّان

رغم غزارتها في الأعوام الأخيرة، تجاهلت الرواية العراقية الاحتلال الأميركي ولم تتطرق بشكل مباشر إلى ما رافقه من تدمير ونهب لثقافة وآثار بلاد الرافدين، وفق بعض الأدباء والكتاب.

لكن التجاهل لم يكن يخص الغزو الأميركي فقط، وإنما شمل مقاومة العراقيين له أيضا، حيث غابت عن الرواية إلا في إشارات نادرة، وهو ما يعكس "محاباة الأدب للسلطة وتحكم الساسة في المثقفين".

ويلاحظ الناقد العراقي شجاع العاني أن الرواية العراقية لم تتناول الاحتلال الأميركي، لكنها تحدثت عن العنف الذي أعقبه.

وجاءت ملاحظة العاني في أمسية ثقافية نظمها البيت الثقافي العراقي في رابطة الكتاب الأردنيين مساء الأربعاء الماضي.

وفي مداخلته بعنوان "الرواية العراقية بعد الاحتلال"، رأى العاني أن رواية "ليل علي بابا الحزين" لعبد الخالق الركابي أبرزت آثار الغزو الأميركي، ومنها فتح المتحف للجهلة والفاسدين وتدميره باعتباره واجهة لحضارة البلاد منذ عهود السومريين والبابليين.

والعاني الذي لفت إلى أن "ليل علي بابا الحزين" أوردت إشارات للمقاومة العراقية، يقول إنه راجع واطلع على عدد كبير من الروايات ولم يجد مفردة الاحتلال.

سيدات زحل
ويلفت العاني إلى أن الكتاب ناقشوا الوضع العراقي قبل الاحتلال الأميركي واستحضر بعضهم ما حصل بشكل موضوعي، كالروائية لطفية الدليمي في رواية "سيدات زحل" التي تحدثت عن أجواء الاحتلال و"الحرب الأهلية والطائفية" خاصة عامي 2006 و2007.

الربيعي: تجاهل الأدباء للمقاومة ربما يعود
إلى خوفهم من مجابهة النظام
 (الجزيرة نت)

ويعتبر أن الروايات التي كتبت عن الحرب العراقية الإيرانية مجرد أدب تعبوي، بينما هناك أعمال أخرى انتقدت الوضع قبل الحرب لدرجة التجريح والسب، وهو ما يعود إلى تحكّم السياسة في المثقفين لجعلهم واجهات سياسية أو طائفية.

ويضيف الناقد العراقي أن هناك روايات لكتاب جدد تقول إن الأميركيين جاؤوا إلى العراق للبحث عن قلادة لملك آشوري.

ويبين أنه رغم كثرة هذا الجنس الأدبي "فإننا لا نجد رواية عميقة قادرة على تغيير المسلمات"، داعيا إلى منقذ ثقافي يوقف تغول السياسي على المشهد الثقافي.

وأمام نخبة من العراقيين المقيمين بالأردن ورجال الصحافة، تحدث العاني عن فوضى نشر في العراق، متهما بعض الناشرين بأنهم يهتمون بالتجارة أكثر من نشر المعرفة.

ويرصد وجودَ أربعين روائية عراقية، الأمر الذي يعكس حضورا قويا للمرأة في الفضاء الأدبي. ويعزو تزايد اهتمام العراقيات بالرواية لأن المرأة تعيش في مجتمع ذكوري وتعاني من الكبت، لذلك تجد في الرواية منفذا لبث همومها لكونها أكثر الأجناس الأدبية قدرة على التنفيس.

ويتابع العاني قائلا "هناك ظواهر طغت على المشهد الأدبي بعد الاحتلال، أبرزها كثرة الإنتاج على حساب الجودة نظرا لغياب الرقابة، وكون الروائيات أكثر من الروائيين، وقلة القراء".

تجاهل المقاومة
وفي حديث خاص للجزيرة نت، قال المفكر العربي فاضل الربيعي إن الناقد العاني قدم عرضا مكثفا ودقيقا لواقع الرواية العراقية الراهن.

لكن ما يلفت انتباه الربيعي هو تجاهل العاني لأمرين: أولهما أن الرواية العراقية الحالية تبدو مقطوعة السياق عن الرواية التي ازدهرت في الماضي، وبالتالي لم يتحقق تراكم حقيقي على ما أنجز، قائلا "لذا نشهد خطا نازلا في تطور الرواية العراقية".

أما الأمر الثاني فهو انحطاط الحياة الثقافية بكل أشكالها كنتاج طبيعي لتفسخ بنية الوطن اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وتلاشي الدولة.

ويعتبر الربيعي أن تجاهل الروائيين العراقيين للمقاومة مرده أن معظمهم التبست عليه فكرتها وليس لديهم ما يكفي من الوضوح لرؤيتها، أو أنهم يخشون مجابهة النظام القائم.

من جانبه، قال الكاتب العراقي مكي النزال إن لمعان الاحتفالات الثقافية في العراق يخفي وراءه واقعا مريرا بسبب تخلف البلاد نتيجة قيادتها من أشخاص بعيدين عن العلم والثقافة والأدب.

النزال: الاحتلال الأميركي جاء لقتل وتدمير
حضارة العراق
 (الجزيرة نت)

ويقول إن أميركا انتقت قيادات الفترة التي أعقبت غزوها للعراق، بدليل أن من جاؤوا مع الاحتلال هاجروا أو هُجروا نتيجة التهديد والإهمال والإقصاء.

قتْل الثقافة
وعزا النزال في تصريح للجزيرة نت ازدياد عدد الكتاب والشعراء "وأدعياء الثقافة" إلى كثرة الأحزاب التي تحتاج إلى تلميع صورتها من المثقفين مهما كان مستواهم، إلى جانب الفضائيات والصحف والمطبوعات المجانية التي يديرها جهلة، حسب تعبيره.

وحسب النزال، فإن الاحتلال الأميركي قتل الثقافة لسببين: الأول أنه جاء لتدمير حضارة العراق بقديمها وجديدها ومستقبلها، والثاني أنه احتلال عسكري غاشم لم يكترث إلا لمصلحته وحماية جنوده وديمومة بقائه، وتعاون مع الجهلة المتسربلين بأردية الثقافة والدين والمشيخة القبلية.

ويكشف في تصريحه عن توجه مثقفين وناشطين عراقيين لمحاكمة الاحتلال الأميركي وأعوانه على جرائمه ضد الحضارة والثقافة، ومنها نهب الآثار وتدمير ما لم يستطع سرقته.

لكن النزال ينبه إلى محدودية إمكانيات هؤلاء المثقفين لأنه لا سند لهم من جهات دولية أو إقليمية أو محلية، ليضيف أن المثقف العراقي مشرد في دول الاغتراب أو مختبئ من السلطة داخل العراق، لافتا إلى أنه أصبح كذلك هدفا لمليشيات غامضة اغتالت الكثير من العلماء والأكاديميين، وآخرهم كامل شياع والناشط الصحفي هادي مهدي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة