سيناء وحلم التنمية المعلق   
الثلاثاء 1433/11/3 هـ - الموافق 18/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:54 (مكة المكرمة)، 11:54 (غرينتش)
 الإهمال الطويل لتنمية سيناء ساعد على انتشار الأنشطة غير المشروعة وجر المواجهات الأمنية (الفرنسية)

مجدي بدوي

ترقب المصريون طويلا عودة سيناء إلى حضن الوطن، وعقدت الآمال على تلك العودة، لكن منذ 
استعادتها من إسرائيل يوم 25 أبريل/نيسان 1982 بعد أشهر قليلة من تولي الرئيس المخلوع حسني مبارك، ظلت تعاني من طبعة أخرى لأزمات الوطن، فغاب الحلم وظل معلقا بانتظار إرادة سياسية فتية تستدرك ما فات من إهمال واستسهال.

ولتنمية سيناء أهمية خاصة، فهي البوابة والحصن الشرقي لمصر, وتأمينها وتنميتها صيانة للأمن القومي المصري، وغياب التنمية من شأنه أن يوفر بيئة مناسبة لتمدد الأنشطة المحظورة من تهريب وتجارة مخدرات وسلاح، فضلا عن إيوائها للخارجين عن القانون، مما ينشئ تحديا أمنيا تواجهه مصر بقيادته الجديدة حاليا. 

تبلغ مساحة سيناء 61 ألف كلم2, وتشكل 6% من إجمالي مساحة مصر، ويسكنها 360 ألف مواطن فقط, وتملك نحو 30% من سواحل البلاد، وتحاط بالمياه من أغلب الجهات: البحر المتوسط في الشمال (بطول 120 كلم) وقناة السويس في الغرب (160 كلم) وخليج السويس من الجنوب الغربي (240 كلم)، ثم خليج العقبة من الجنوب الشرقي والشرق (150 كلم).

 

ويحتل شبه جزيرة سيناء مكانا إستراتيجيا في خريطة التوازنات الدولية والإقليمية منذ فجر التاريخ. وتعود هذه المكانة إلى الموقع الفريد لسيناء في خريطة المنطقة, إذ تعتبر رقعة اليابسة الوحيدة التي تقسم المنطقة العربية إلى شرق وغرب، ومن ثم فهي تجسد حلقة الاتصال بينهما.

كما تعد ملتقى قارتي آسيا وأفريقيا والجسر البري الذي يربط بينهما، حيث كانت منذ القدم ممراً للقوافل والجيوش الغازية. تأخذ سيناء شكل مثلث تستلقي قاعدته الشمالية على امتداد البحر الأبيض المتوسط.

إمكانات مهملة
تزخر سيناء بموارد اقتصادية وإمكانات تعدينية وزراعية وسياحية هائلة، وتمتلك احتياطيات اقتصادية مؤكدة صالحة لاستغلالها تجاريا. 

ومن بين هذه الإمكانات خام الجبس والحجر الجيري والطفلة والفحم والرمال البيضاء والرمل الزجاجي والمنغنيز والرخام والغاز الطبيعي، فضلا عن البترول والكبريت وغيرها.

كما تمتلك إمكانات التنمية الزراعية على امتداد مساحات واسعة، وتعد من أفضل المناطق التي تتمتع بمناخ جاذب ومشجع للاستثمار الزراعي، نظرا لوجود مشروع ترعة السلام الذي يعد من أهم مشروعات التنمية العملاقة، حيث يتم نقل مياه النيل عبر الترعة الجديدة إلى شبه جزيرة سيناء لتحقيق التوسع الزراعي الأفقي في مساحة 400 ألف فدان شرق قناة السويس و220 ألف فدان غرب القناة.  

تفاءل المصريون عندما اعتمد مجلس الوزراء عام 1994 المشروع القومي لتنمية سيناء، وأنفقت الدولة 13 مليار جنيه على البنية التحتية, وتجهيزات بدء التنفيذ, إلى أن صدرت التعليمات الرئاسية بإلغائه نهائيا ودون مبرر

وأد الحلم
تفاءل المصريون عندما اعتمد مجلس الوزراء رسميا عام 1994 المشروع القومي لتنمية سيناء، وأنفقت الدولة 13 مليار جنيه على البنية التحتية, وتجهيزات بدء تنفيذ المشروع, إلى أن صدرت التعليمات الرئاسية بإلغائه نهائيا ومن دون مبرر. وبقدر الضجة التي صاحبت إطلاق المشروع، كان قدر الصمت الذي أعقب قرار الإلغاء.

وبقرار الإلغاء تبخرت الآمال المعلقة على أهداف المشروع القومي الذي قُتل في مهده, وأبرزها توطين أربعة ملايين مصري في سيناء, وتوفير الوظائف والإسكان والاستقرار الأسري لملايين الشباب الذين لا يجدون عملا، إضافة إلى شغل المناطق الحدودية بوجود سكاني كثيف, وبتوطين البدو الذين ستتاح لهم ظروف التكامل السكاني مع القادمين من الوادي.
 
ومع نجاح ثورة 25 يناير/كانون الثاني في مصر عادت سيناء وبقوة إلى واجهة الأحداث، لكنها أحداث أمنية في المقام الأول تعود بجذورها إلى عقود الإهمال الطويلة لتضغط في وقت حرج على القيادة الجديدة وتصبح أكثر صفحات الملف الأمني سخونة.

والرهان الآن على النجاح في طي صفحة القلق الأمني وإدارك أن سيناء تقع بكاملها على خط التماس مع الخطر الخارجي والحقيقي لمصر ممثلا في إسرائيل, واستئناف العمل في المشروع القومي لتنمية سيناء والذي لا يعد فقط الطريق على حل الكثير من مشكلات مصر الاقتصادية والسكانية, بل جعل سيناء محصنة ضد أي اختراق خارجي أو إجرامي.

وتملي التجارب السابقة على صانع القرار النظر ببصيرة إستراتيجية تستشرف الأفق المستقبلي, وتضع في حساباتها احتمالات ظهور احتياجات أو أخطار مستجدة للدولة, ينبغي أن تُجهز لها السياساتُ التي تتعامل معها حال ظهورها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة