الحياة تدب بمدارس بغداد بعد نداءات شعبية   
السبت 1424/3/2 هـ - الموافق 3/5/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

تبارك (وسط) تنتظر مع زملائها في ساحة المدرسة

أحمد فاروق-بغداد

بعد تكرار النداءات في المساجد وعبر الإذاعة الجديدة في العراق باستئناف الدراسة اليوم السبت، فتحت المدارس العراقية أبوابها لاستقبال التلاميذ بعد توقف لأكثر من شهر ونصف في تحد جديد يخوضه العراقيون للعودة لحياتهم الطبيعية.

تبارك طفلة عراقية في الصف الثالث الابتدائي ذهبت مع والدها إلى مدرستها الناصرية الابتدائية المشتركة في حي المنصور، الوالد مهندس زراعي اصطحبناه إلى مدرسة ابنته سيرا حيث إن المدرسة قريبة من بيته وأكد لنا تحمسه لاستنئناف الدراسة، لأن الوضع الحالي غير مقبول، مؤكدا أن أولوية التعليم جعلته يصر على الذهاب بابنته في اليوم الأول رغم توقعات بعدم انتظام جدي للعملية التعليمية في اليوم الأول.

ولكنه أكد أن هناك ظروفا قد تمنع غيره من الآباء من إرسال أبنائهم إلى المدارس، مثل الوضع الأمني المتدهور، وأيضا أزمة الوقود التي ترفع نفقات المواصلات وتعرقل بشكل خاص سكان المناطق البعيدة.

دخلت تبارك مدرستها وهي تأمل في حضور أول طابور صباح منذ الحرب ولقاء زملائها، ولكننا فوجئنا بأن المدرسة شبه خاوية رغم استعدادها التام لاستقبال التلاميذ.

إدارة المدرسة والمعلمون كانوا في انتظار التلاميذ، ولكن في موعد بدء الدراسة لم يكن هناك سوى تبارك وحوالي أربعة تلاميذ آخرين، ولهذا تم إبلاغ أولياء أمور هؤلاء بإلغاء اليوم الدراسي لعدم حضور الحد الأدنى المطلوب.

مديرة المدرسة أكدت لنا بذل مجهود كبير في تنظيف الفصول وتجهيزها، ولكن في النهاية تبقى مشاكل رئيسية مثل انقطاع الكهرباء الذي يعطل تشغيل أجهزة الوسائل التعليمية وأجهزة التهوية اللازمة مع حلول فصل الصيف حيث ستستمر الدراسة حتى يوليو/ تموز المقبل.

وإذا أضفنا إلى ذلك مشكلة انقطاع المياه مما يهدد بمشاكل صحية كما أن أولياء الأمور يشددون على توفير الحماية لأولادهم حتى داخل المدرسة. وبالنسبة لرواتب المعلمين فقد تم تسليم كشوف لمسؤولين بوزارة التربية والتعليم لصرف أي جزء منها.

وتقول ريم الخزائي والدة إحدى التلميذات إنها أصرت على إحضار ابنتها عسل في سياق رغبة عراقية عامة بضرورة عودة الحياة لطبيعتها. المشكلة الرئيسية التي تواجه هذه المواطنة العراقية هي عدم توافر المواصلات نتيجة عدم توفر الوقود في بلاد النفط، ولكنها على استعداد للذهاب مع ابنتها سيرا على الأقدام إلى المدرسة لتواصل العملية التعليمية.

أحد فصول مدرسة الناصر خلا تماما من التلاميذ
وفي النهاية خرجت تبارك وعسل وبقية التلاميذ مع ذويهم للعودة إلى منازلهم بعد أن تبخرت أحلامهم في العودة إلى طابور الصباح وفصول الدراسة.

مدرسة أخرى في حي الأعظمية هي مدرسة النعمان الابتدائية المشتركة التي كان حالها أفضل من السابقة، حيث أكدت نائبة المديرة الأستاذة إيمان أن المدرسة ستطبق اليوم الدراسي كاملا في جميع فصولها رغم وجود نسبة غياب قليلة أيضا بسبب مشاكل الأمن والمواصلات.

وتقول إيمان إن العاملين في المدرسة كبقية العراقيين لا يمكنهم الاستمرار في حالة الجمود وسيواصلون جهود العودة إلى حياتهم الطبيعية، مستشهدة بأن هذه المدرسة كانت قد تضررت نوعا ما أثناء القصف الأميركي وبذل العاملون جهودا كبيرة لإزالة آثاره.

وإلى جانب انقطاع المياه والكهرباء تواجه المدرسة مشكلة أخرى أساسية وهي طمأنة أولياء الأمور على سلامة وأمن أولادهم وبناتهم، لأن العراقيين بشكل عام يفتقدون الإحساس بالأمن وحتى الآن يسمعون طلقات رصاص طوال الليل قرب منازلهم.

وتضيف إيمان أيضا أن الوجود الأميركي في شوارع بغداد ومشهد الجنود يتحركون بعتادهم ومدرعاتهم يسبب خوفا لدى أولياء الأمور على أطفالهم من أي عواقب غير محسوبة.

الحصة الأولى في الصف الخامس الابتدائي بالمدرسة كانت في مادة العلوم عن عمل العضلات في جسم الإنسان ويبدو أن بعض التلاميذ يتحلى بشجاعة المجيء بمفرده -كما اعتاد- إلى مدرسته ومنهم مصطفى سمير بالصف الخامس الابتدائي الذي أكد أنه جاء بمفرده وينوي أيضا العودة بمفرده.

ولكن يبدو أن الهاجس الأمني سيفرض نفسه لفترة طويلة على العملية التعليمية، حيث قابلنا عند باب المدرسة عددا من أولياء الأمور أصروا على الوجود هناك حتى يعودوا بأولادهم في نهاية اليوم الدراسي خوفا على سلامتهم، وتقول أم حسام إنها لا تشعر بأمان في منزلها فكيف تطمئن على ابنها الذي لم يتجاوز عمره تسع سنوات.

وتؤكد أنها استجابت لنداء العودة إلى المدارس بعد تكرارها كثيرا في الإذاعة والمدارس وفي الأحياء، وتؤكد أن البلد مازالت تعاني فوضى، والأمن غير متوافر في الشوارع، وبعض المناطق مازالت توجد بها شظايا قذائف تشكل خطرا على التلاميذ.

هذه المواطنة العراقية لا تعرف حتى الآن الجهة المسؤولة عن اتخاذ قرار استئناف الدراسة وتطالب بتشكيل حكومة طوارئ عراقية تسير الأمور قبل اتخاذ قرارات بالعودة إلى العمل والدراسة.

وترى أم حسام أيضا أن التلاميذ في المدارس يواجهون خطرا صحيا لعدم توافر المياه النقية والكهرباء، وتؤكد أن الكهرباء تعود في النهار ساعة واحدة فقط، وتنفي ادعاءات الأميركيين بإعادة مياه الشرب النقية إلى بغداد.

وفي النهاية تركنا أم حسام تنتظر ابنها متمنين لها أن يكون مستقبله أفضل وألا تطول معاناتهم مع هذه الأوضاع المزرية في العراق.
_______________
*موفد الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة