لبنان وصراع الإرادات   
الجمعة 8/12/1427 هـ - الموافق 29/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:47 (مكة المكرمة)، 10:47 (غرينتش)

شفيق شقير- الجزيرة نت

المشهد اللبناني بدأ عام 2006 بتعالي أصوات الأكثرية النيابية بإقالة رئيس الجمهورية إميل لحود واختتم بتعالي أصوات المعارضة بإقالة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، في دلالة واضحة على حدة الانقسام الذي بلغته البلاد، سواء حول كيفية إدارة الوضع الداخلي أو حول كيفية التعامل مع الخارج الإقليمي أو الدولي.

شرعية المؤسسات
فالبلاد لا تزال تعاني من أزمة في شرعية مؤسساتها، حيث لا إجماع على شرعية التمديد لرئيس الجمهورية لحود، وقوى الأكثرية التي يقودها تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وغيرهم تقول إن التمديد للرئيس تم بالإكراه "أثناء الوجود السوري في لبنان وإشرافه المباشر على تسيير الحياة السياسية فيه".

وفي الجهة المقابلة تقول المعارضة التي يقودها حزب الله والتيار الوطني الحر وآخرون، إن الحكومة المشكلة برئاسة السنيورة فقدت شرعيتها الدستورية باستقالة وزراء طائفة بأكملها منها، وكان الوزراء الشيعة استقالوا بدعوى أن "لا وجود مؤثرا لهم في الحكومة التي تسيطر عليها أكثرية متفردة بالقرار دونهم".

وزاد من حدة الأزمة تبادل التهم بين الطرفين حيث تقول الأكثرية إن الوزراء الشيعة استقالوا لعرقلة إقرار المحكمة من قبل الحكومة أولا ومن قبل المجلس النيابي تاليا. وهو ما نفاه الوزراء المستقيلون وقالوا إن اعتراضهم كان على أسلوب الإقرار فقط وإنهم موافقون على المحكمة من حيث المبدأ.

واتهمت المعارضة بدورها قوى الأكثرية بأنها تستدرج التدخل الدولي في لبنان لتحافظ على إمساكها بزمام الحكم.

التدويل والدفع الإقليمي
قامت ما سميت "بثورة الأرز" على فكرة اتهام سوريا بأنها وراء مقتل الرئيس رفيق الحريري، وأنها تمارس الوصاية على لبنان من خلال وجودها العسكري، وأن كل الاغتيالات السياسية التالية للانسحاب السوري من لبنان، هي من تدبير ما يسمى الجهاز الأمني السوري وأدواته في لبنان، وأنه يهدف فيما يهدف إليه لإسقاط المحكمة الدولية ذات الطابع الدولي.

وبعد حرب إسرائيل على لبنان في يوليو/تموز المنصرم وسعت الأكثرية دائرة اتهامها للقوى الإقليمية فاتهمت إيران بأنها وراء التصعيد في الجنوب اللبناني، وأن حزب الله قام باختطاف الجنديين الإسرائيليين عبر الخط الأزرق وليس من منطقة مزارع شبعا إمعانا في الاستفزاز للمجتمع الدولي ودعما لإيران التي كانت تتعرض في تلك الفترة لضغوط كبيرة من المجتمع الدولي لإيقاف برنامجها النووي تحت طائلة الحصار والمعاقبة.

وبالمقابل أطلقت المعارضة اعتصامها في وسط بيروت تحت اسم "انتفاضة الحرية" وصعد حزب الله من اتهاماته للأكثرية بأنها كانت تراهن على نصر إسرائيلي في حرب يوليو/تموز يمهد لها الطريق لنزع سلاح حزب الله، وأن الحزب لايزال يستكمل المواجهة لحرب يوليو/تموز ومفاعيلها في الداخل اللبناني.

وتركزت سهام الحزب ضد الحكومة ورئيسها السنيورة وأنه جزء من مخطط دولي لتغيير الواقع السياسي في لبنان لمصلحة أميركا وإسرائيل.

المستقبل
في ظل هذا الانقسام اللبناني الحاد الذي يقف وراءه صراع للإرادات المحلية وغير المحلية في لحظة تأزم إقليمية، تبرز مخاوف عديدة تشغل بال اللبنانيين وغير اللبنانيين من المعنيين بالصراع في المنطقة.

فالانسحاب السوري بطريقة مفاجئة من لبنان ترك فراغا أثار مخاوف عدة وبعضها يتعلق بمسائل حيوية تتعلق بهوية لبنان ودوره، منها الخوف على موقع لبنان في ما يسمى الصراع العربي الإسرائيلي، خاصة أن المقاومة انكفأت عن المناطق الحدودية بعد حرب يوليو/تموز وحلت محلها وحدات للجيش اللبناني تؤازرها قوات دولية للأمم المتحدة، وترافق ذلك مع تزايد الخلافات حول كيفية تحرير ما تبقى من الأرض المحتلة، وكيفية حماية بقية الأرض المحررة.

وتزايد الخوف على لبنان ومستقبله مع تصاعد الشحن الطائفي والمذهبي في البلاد في اقتراب محدود من المشهد العراقي، وزاد من حدته انقطاع الاتصالات بين الفرقاء المختلفين وانعدام الثقة بينهم، وهو ما عبر عنه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في مسعاه نهاية العام الجاري للتقريب بين وجهات النظر، وذلك بقوله عن الساسة اللبنانيين:

"فبين لقاء وآخر تتبدل المواقف، وأُتّهم بأنني لم أفهم عليهم.. وأعتقد أن مرد ذلك فقدان الثقة بين طرفي الصراع إلى حد كبير.. لذلك بتّ على قناعة بأن الوضع خطير جداً جداً جداً".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة