خبراء: تخلف عمراننا يحاكي انحطاط أمتنا   
الأحد 1428/5/18 هـ - الموافق 3/6/2007 م (آخر تحديث) الساعة 23:05 (مكة المكرمة)، 20:05 (غرينتش)
الخبراء تساءلوا: لماذا لا نبني مدنا منسجمة مع الطبيعة والمناخ والجغرافيا؟ (الفرنسية-أرشيف)

عائشة محامدية-دبي
 
أجمع خبراء مختصون في فن العمارة على أن المدن العربية الحديثة تعيش حالة من التردي وأن الوضع الذي وصل إليه العمران العربي من تراجع  هو جزء من "حالة التخلف والانحطاط الشامل الذي تعيشه الأمة العربية".
 
وفي لقاء مع الجزيرة نت أكد الخبير المعماري العربي المهندس راسم بدران أن "المدن الجميلة تستند إلى كيان ذي قوة لها جانب مادي وجانب روحي جمالي"، معتبرا أن العمران أحد هذه الأبعاد الجمالية.
 
وأضاف بدران "ابحث فيمن كان وراء بناء دمشق والقاهرة وصنعاء والحمراء وفاس ستدرك أن هذه القوة عبرت عن نفسها من خلال العمران، فقصر الحمراء مثلا بني في مرحلة بداية أفول الحضارة الإسلامية في الأندلس وهي حالة من حالات التشبث بالقوة من خلال التعبير اللين".
 
وتابع بدران "اليوم نحاول أن نعبر عن قوتنا من خلال امتلاكنا للبترول واستخدام هذه الثروة في بناء أكبر مدينة في العالم, أعلى برج في العالم.." وتساءل المهندس "لماذا لا نبني مدينة منسجمة مع الطبيعة والمناخ والجغرافيا؟".
 
وأشار إلى أن "الحكام الذين بنوا تلك المدن الجميلة كانوا يبنون للوطن وللآخر لأن غناهم كان وطنهم، أما حكامنا اليوم فغناهم هو ثروتهم وليس وطنهم ولذلك بنوا مستعمرات عليها حراس".
 
عامر مصطفى: عمارتنا لها تأثير سلبي على سلوكياتنا وطريقة تفكيرنا (الجزيرة نت)
القوة والضعف والفراغ
 
من جانبه قال أستاذ تخطيط وتصميم المدن في الجامعة الأميركية بالشارقة الدكتور عامر مصطفى إن الأمة قد تغيرت وفقدت قدرتها على الإنتاج في كل المجالات، واعتبر أن فقدان القدرة على الإبداع جعل المدن العربية تعيش حالة اغتراب شديدة.
 
وفي تشخيصه لحالة العمران في مدننا العربية قال مصطفى إن العمران العربي يعيش حالة نمو أفقي، وفي بعض المدن كدبي يشكل العمران مجموعة جزر عمرانية مقطوعة الأوصال، مضيفا أن "الفراغ في سيكولوجية العمران هو عامل مهم في تقوية أو إضعاف العلاقات الإنسانية".
 
وتابع مصطفى "القصبة في الجزائر مثلا هي رمز للتضامن الإنساني صنعه التصميم العمراني المفتوح على بعضه، ففتحت الناس قلوبها لبعضها, عمران فيه روح وشعور بالانتماء واحترام لحاجات الإنسان".
 
واعتبر الخبير أن عامل التضامن هذا ساعد المجاهدين على تحقيق انتصارات على الجيش الفرنسي حيث كانت تشكل للمجاهدين مأوى يصعب على جيش نظامي دخول أزقتها وحواريها الضيقة والملتفة وذات المخارج والأبواب الكثيرة.
 
وأضاف مصطفى أن "البيوت المتباعدة عامل إضعاف للتضامن والعلاقات الاجتماعية كما أن لها تأثيرا سلبيا على سلوكياتنا وطريقة تفكيرنا, نابليون الثالث أعطى أوامر بتوسيع شوارع الشانزليزيه حتى يمنع التضامن الذي يحدثه تقارب الشوارع والحارات بين ساكنيها وبالتالي يمنع قيام ثورة ثالثة في فرنسا".
 
وأشار مصطفى إلى أن "المشي في مدننا القديمة كان متاحا لكل الناس والوصول إلى أي مكان ميسر للجميع، وهذا يعبر عن النظام الديمقراطي المفتوح"، مضيفا أن أوروبا أصبحت تحارب ظاهرة الانتشار الأفقي والمجمعات السكنية المغلقة ببوابات "فيما بقينا نحن متمسكين بها".
 
صناعة البناء 
راسم بدران: المصمم فقد هويته
وحسه الإنساني (الجزيرة نت)
وعن الغزو المعماري أكد المهندس بدران أن "البناء أصبح يأتينا جاهزا ولا نعرف كيف أنتج، وبذلك أصبح الإنسان يتبع البناء وليس العكس، لأن الوضع السليم أن البناء يتبع الإنسان، نحن اليوم نبني عمارة مؤذية لكياننا ومشاعرنا وهويتنا".
 
وعزا بدران حالة التردي التي تعيشها مدننا العربية إلى عدة عوامل، أهمها أن "المصمم فقد هويته وحسه الإنساني، فلم يصبح همه إلا الربح السريع، فتجده يفتخر أنه صمم أحسن عمارة في العالم، ولكن هل تم سؤال الساكن كيف يتعامل معها ثم من قال إنها أحسن عمارة؟".
 
الحل
ولتعديل هذا الوضع السيئ الذي تعيشه العمارة اتفق الخبيران على الحاجة إلى إعادة هيكلة ووضع منهج للعمارة وتوفير إطار ثقافي سياسي تنشأ في كنفه هذه العمارة، إضافة إلى وجود مصممين مبدعين منتمين إلى هذه البيئة قادرين على "إدماج ثقافتنا وموقعنا الجغرافي وتراثنا في تصميم يحترم الطبيعة الجغرافية ويحترم ثقافة المكان".
 
وأوضح عامر "الحاجة إلى مدينة تحافظ على إنسانيتنا وتراثنا وتحافظ على ارتباطنا العاطفي بالمكان وتتيح استعمال التكنولوجيا المعاصرة وعلى رأسها السيارة لأنها العامل الأكبر المساهم في تقصير المسافات بين المدن المتباعدة".
 
من جانبه قال بدران إن العمارة -حتى لو كانت بدائية- يجب أن تحمل بين أحجارها "روحنا" لتشكل جزءا مهما في التراث العالمي، متسائلا "ما الفائدة من أن يأتي الأميركي أو الأجنبي إلى عالم رقمي مستنسخ من عالمه الرقمي الخاص به والمتفوق فيه؟ لماذا لا نقدم له ما يفتقده أو المختلف عما عنده وهو روحنا وذواتنا".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة