قصة انتحار معلن في إيطاليا   
الجمعة 1429/1/18 هـ - الموافق 25/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 23:41 (مكة المكرمة)، 20:41 (غرينتش)

ركزت الصحف الإيطالية على حجب الثقة عن حكومة رومانو برودي في مجلس الشيوخ, فتحدثت لاستامبا عن خيبة الإيطاليين في طبقة سياسية يريدون رحيلها كلها, ولا ريبوبليكا عن فقدان تواصل مع الجماهير قد يكون أرضا خصبة لجماهيرية برلسكوني, أما إل كورييري دي لاسيرا فتناولت الخطيئة الأصلية لأن تحالف برودي بُنِي ليهزم برلسكوني لا ليحكم إيطاليا.

أزمة نظام
كانت سقطة مقاتل كما كتبت لاستامبا في اليوم 617 من حكم تجاوز برودي خلاله أكثر من أزمة, ثم هوى وقد انفجر تحالفه الرديء, بعد شد وجذب تبودلت فيه الشتائم والكلمات النابية.

"
سوء حظ برودي هو مجيئه في حقبة بلغت فيها الريبة من السياسيين درجة غير مسبوقة وبات البلد مقتنعا بعجز الطبقة السياسية كلها لا فقط بعجز حكومة سقطت
"
لاستامبا

لم تكن حكومة برودي الأسوأ في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى وإن كانت أرقام التي قدمتها أقرب إلى الدعاية منها إلى التحليلات الواقعية.

ارتكب أخطاء كبيرة كالعفو عن السجناء, لكنه يستحق الثناء على الجبهة الاقتصادية حيث استطاع إطلاق إستراتيجية تحرير الاقتصاد وتحسين الخزينة التي ورثها عن وسط اليمين, ما جلب له استحسانا أوروبيا, لكن كان عليه أخيرا مجابهة خطيئة الحكومة الأصلية: ضيق ونشاز أغلبية عاجزة عن تقديم تصور موحد. 

سوء حظه هو مجيئه في حقبة بلغت فيها الريبة من السياسيين درجة غير مسبوقة, وبات البلد مقتنعا بعجز الطبقة السياسية كلها عن تسيير الشأن السياسي لا فقط بعجز حكومة سقطت.

واضح أن انتخابات مبكرة فكرة تغري برلسكوني, فافتقاد برودي إلى الشعبية يخدمه, لكنه واضح أيضا أن الانتخابات -حتى في حال فوز وسط اليمين- قد تنتج مشاكل في طريقة الإدارة تشبه تلك التي هزت الحكومة المطاح بها, ولسنا نحتاج جهدا كبيرا لنتذكر قلة الرضا الداخلي والخارجي الذي حظيت به حكومة برلسكوني, فأي منطق يجعلنا نعيد إنتاج وضعية أثمرت هذه النتائج الهزيلة؟

وقالت لاستامبا الحل المفضل حكومة بسقف زمني محدد تسن قانونا انتخابيا جديدا -ونؤكد هنا على سقف زمني فقصر الحكومة يغري داخله بإطالة البقاء- لكن لن يكون سهلا تحقيق ذلك في ساحة تملؤها أحزاب مجهرية لا ترى بعين الرضا تعديلا يبقي على الأحزاب الكبيرة فقط.

ما انتهى فعلا
عامان بعد هزيمة وسط اليمين ويمينه يخرج برودي من الساحة كما كتبت صحيفة لا ريبوبليكا, وذلك هو قدر رجل هزم برلسكوني مرتين وأعاد مرتين العافية إلى خزينة الدولة واضطر مرتين إلى إنهاء رحلته السياسية بسبب انهيار تحالفه.

لكن ما انتهى ربما هو فكرة تحالف واسع يضم كل ما هو بديل ليمين, حاول برودي ليواجهه جمع شقي اليسار (الإصلاحي والراديكالي), لكنه لم يتوصل إلى شكل من الحكم معترف به ويمكن التعرف عليه.

وتضيف الصحيفة أن سياساته لم تخلق له جبهة في شارع إيطالي يخشى الضرائب ولا يرى أفقا, يعتريه القلق لخلافات الأغلبية ويرى في سياسات وسط اليسار سياسات مترددة ومتناقضة.

غير أن أداء المعسكر اليميني لم يكن أحسن في محاولته استرجاع حق ممارسة السلطة, لكنه –وتلك مفارقة- بات لسان حال الإيطالي العادي في شعوره بالرفض والإقصاء, وهكذا فإن حالة عدم التواصل مع الشارع التي تميز الحقبة الحالية, قد تجد فيها جماهيرية برلسكوني أرضا خصبة. 

"
يمكن الخوض في أسباب سقوط تحالف برودي لكن سنعود إلى الخطيئة الأصلية وهي أنه بُني لهزيمة برلسكوني لا ليحكم إيطاليا
"
إل كورييري دي لاسيرا

انتحار معلن
كان السقوط مدويا تهاوت له قطع التحالف, ورأت فيه صحيفة إل كورييري دي لاسيرا انتحارا معلنا. لكن ربما كان برودي مغتبطا دون أي يدري لأنه هو من اختار أن يتحدى وقدم استقالته -كما يقول بعض حلفائه- لأنه لم يكن واثقا من تجديد الثقة فيه.

هو يعلم أن الرئيس سيفعل كل شيء ليطيل ولاية البرلمان ويغير القانون الانتخابي. وإذا نظمت انتخابات مبكرة, سيستمتع حينها بهزيمة حلفائه السابقين وبانتقام خصمه برلسكوني.

المفارقة أن برودي الذي قدم نفسه كآخر القلاع ضد "البرلسكونية" ها هو الآن يعيده إلى الساحة. لكن المشكلة الحقيقية هي أن الهوس بمعارضة سياسات برلسكوني كان أقصى ما يمكن أن يقدمه خصوم هذا الأخير. يمكن الخوض في أسباب سقوط تحالف برودي, لكن سنعود إلى الخطيئة الأصلية وهي أنه بني لهزيمة برلسكوني لا ليحكم إيطاليا.

وإذا استطاع التحالف أن يعيد بناء حكومة جديدة, فإنه سيعيد نسخ توازنات سياسية ميتة ونظاما شرعيته على حافة الإفلاس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة